ـ وأنيس زكي الذي عُرف بملازمته الصمتَ، والذي ليس له من عمل في العوّامة سوى تجهيز الجوزة والمجمرة وتعاطي "الكيف"، "هائما في الملكوت" ، وقد أكّدت سمارة بهجت سكوته في مذكّرتها بقولها: "صامت، ذاهل ليلا نهارا(...) سرّه في رأسه(...) يمكن أن تطمئنّ إليه كما تطمئنّ إلى مقعد خال " وعلّلت في أوّل لقاء جمعها به في العوامة على انفراد أنه الوحيد الذي لا يتكلّم . وإنّ هـذا الجزء الــصّامت فيه هو الذي جعلها تسعى إليه لاكتشاف سرّه " وعندما صفعه رجب جعل يكلّم نفسه بصوت لا يسمعه أحد". إنّه يعيش أزمة حادّة، فاقدا وعيه، لا يفيق إلاّ ليبحر في غيبوبة وانـكفاء على الذّات . لذلك فإنّه يرى أصدقاء العوّامة "عادة بأذنيه ومن وراء سحابات الدّخان ومن خلال الأفكار والمعاملات" . وحين أشادت سمارة بهجت بطيبته أجابها قائلا:" ذلك أنّني أخرس". حتى إنّنا نُلفيه في مناجاته ذاتَه يسخر من الأصوات الآدمية مثبتا عبر السّؤال الإنكاري أنها خالية من كلّ معنى على هذه الشاكلة: " وما تعني أصواتنا للحشرات ". حتّى إنّ الحديث يزعجه ويغدو عنده سجنا لا يطاق. ولطالما صاح بأصدقاء العوّامة أن يكفّوا عن ضوضائهم و ثرثرتهم فـيتركوه يُصغي إلى العجماوات من أشجار وحيّات وهو معهم على متن السيّارة على هذا النّحو:" وها هي حيّـة تسعى حول غـصن تريد أن تـقول شيئا. أجل قولي شـيئا يستحقّ أن يـسمع. ولكن ما ألعن الضّـوضاء.ـ دعوني أسمع!" فيتساءل الحضور متضاحكين: " ماذا يريد أن يسمع؟" وأنّى لمثرثرين من طينتهم أن يُدركوا فصاحة الصّمت التي ينشدها أنيس زكي؟
ـ5ـ3) مثّلت"في بيت العنكبوت" إبّان نشرها بسردها الذي ورد أغلبه بضمير المخاطب المفرد علامة مميّزة في الرّواية التونسية. ذلك أنّ استعمال هذا الضمير يعدّ نمطا غريبا، مفاجئا، وغير مألوف. فقد جنّد المؤلّف لخطابه السّرديّ رواة خمسة يتداولون عـلى السّرد. اثنان: منهم معـلومان لأنّهما شخصيّتان محوريّتان قد استقطبت ملفوظَهما صيغةُ المخاطبة، وهما الأب صالح القدري، وابنه محمود. وثلاثة مجهولُو الهويّة، من النّكرات، تشفّ عن اثنين منهما صفتُهما: شرطيّ مُقرّر، وسائق شاحنة، وينوب عنهما ضمير الغيبة المقدّر في فعل:(قال) وضمير المتكلّم النّاهض بفحوى الشهادة. وأمّا الخامس فهو مُضمر من خارج الحكاية ومغاير للقصّة لا يتدخّل إلاّ لماما، كما أنّ الأوّليْن منهم يحضران في الحوار الباطني الذي تخوضه الشخصية مع ذاتها في الرّواية كلّها خلا الجزء الثّاني منها وهو"مقتطف من تقرير بوليسي" يرد فيه المرويّ خبرا عاديّا معزّزا بسند ومتن. ويهمّنا في هذا الصّدد ذاك الحوار الباطني وعلاقته بالصّمت .
لاغرو، فسمته سمة خطاب أخرس لا يكرّس إلاّ مزيدًا من قطع الصّلة بما هو خارج عن الذّات والاستعاضة عن الكلام المنطوق بالهجس مع النفس . فقد لاح صالح، منذ البداية، راويا شخصيّة يعيش أزمة. فقد طلّق زوجته الخائنة وغـادر القرية مع ابنه إلى العاصمة هربا من الفضيحة والعار، ولم يعثر في بيت أخته إلاّ على الجحود والإهانة، وفي المجتمع إلاّ على العوز والتشرّد. لذلك أضحى منهزما: فاشلا في شغله [فحّاما لدى "العروسي"]، مُضيعا ابنه في الزّحمة. كما أصبح في قطيعة تواصلية مع الغير. ولم يبق له من مخاطَب يتواصل معه سوى أناه إلى أن داسته عجلات الشاحنة والتهمه صمت الموت. أمّا الرّاوي الثّاني الشخصيّة فهو الابن محمود الذي ورث عن أبيه مأساته الذّاتـية ومناجاته الباطنية وخزي الخيانة. قد أنس في دار رعاية المشـرّدين إلى العـزلة والبكاء والصّمت: " وبكـيتَ ليالي طوالا وأرهـقك البكاء فجفّت دموعك ولم تجد أولى من الصّمت لكنّ صمتك انقلب إلى حقد...عليهم جـميعا ولم تكلّم أحدهم مدّة أيّام..." وحين كبُر وغدا طالبا فمدرّسا كبُر معه ماضي أبيه بمأساته وقطيعته وصارت فضائح أمّه بالأمس واليوم خيوطَ عنكبوت تقيّده ومُثبطات تعوق زواجـه ومطامحه. لذا لم يعثر على عزائه إلاّ في عالم الجنس والكتب والصّمت. وإنْ لم تُختم حياتـه بموتة مثل حياة أبيه فإنّها قد أُلجمت بالصّمت.
لقد وظّف محمّد الهادي بن صالح في نصّه الرّوائي سيرة ذاتية مُموّهة. تحتضن بؤر صمت عدّة وحذوفات شتّى جلاّها تشظّي الملفوظ وتفتّت فقراته إلى جمل ممحوّة وكلمات مقطوعة وحروف متناثرة كما أكّدت حضورها نقاطُ التّتابع والتعجّب والاستفهام وبياضات الصّفحات النّاصعة.
هكذا نستخلص أنّ المدوّنة، بما تضمّنته من أعوان سرديين (Instances narratives) مُشاركين في الأحداث (Homodiégétiques) أو غير مشاركين، مُضمرين في مُجملهم أو مُعلنين، من خارج الـحكاية أو من داخلها، قد أمكن لأصحابها أن يؤسّسوا بنية سرديّة محكومة شخصياتُها بخطابيْ الصـّمت والكلام وقطيعة التّواصل مع الغير عدَا الذّات عبر الحوار الباطني. وقد يتيح الخوض في أصناف الصمت مزيد تجلية غموضه.
ب) ـ أصناف الصّمت:
1ـ) مدخل نظري:
لمّا كان الصّمت مسألة مُهملة في النّقد الأدبي فإنّ أصنافه تكاد تكون مجهولة. فلم نعثر لها على أثر إلاّ لدى "فان دان هيفل" أثناء اهـتمامه في دراسته بعـلاقة الصّمت بالقصديّة( L’Intention) .
فقد أرصد "فان دان هيفل" للصّمت صنفين اثنين أطـلق على أحـدهما الصّمت المقصــود أو الاختياري (Le Silence volontaire)والآخر الصّمت اللاّمقصود أو الاضطراري (Le Silence involontaire).
الصّمت المقصود: وعرّفه بكونه الفراغ المكّرس في النّص كأنّه استراتيجيا سرديّة تُترجم عمّا لا يروم المؤلّف قوله. وأشار إلى أنواعه التّالية:
ـ النّقص الخطّي (Le Manque graphique): وهو الجملة النّاقصة(غير التّامة) المتضمّنة بياضا، أو تشطيبا، أو اختصار حروف أولى من اسم علم، أو المنتهية بنقط تتابع، وأيضا بياض صفحة بأكملها من قبيل تلقّي البطل رسالة فارغة من صديق.
ـ والوصف الصّمتي: وهو عندما يشرع الرّاوي في التّعامل مع الصّمت تعاملَه مع مشهد وصفيّ فيؤدّي به تحديد الإطار المكاني الرّوائي إلى التّركيز على الطّبيعة الصّامتة ونحوها.
ـ وصمت الصّوت (Le Silence de la Voix) : وهو الصّمت الإنساني من وجهة التّلفّظ( صـمت الرّاوي مثلا والمرويّ له والشّخصيات ...) وتنتمي إلى أشكال الصّمت السّردي هذه أنـواعٌ مركّبة أخرى ( من قبيل ما هو موجود في الرّواية الجديدة) تطفو على سطح الخطاب كأنّـها مشاهد وصفيّة، يعكسها الصّمت التّحتي في صورة بياضات متعدّدة ورسائل ناقصة وخرائط جغرافية وصمت الأطـفال وتماثيل الـعرض، والجمل غير المسموعة والـكلمات الممحيّة والرّسوم المجزّأة... وغيرها .
كما يـتولّد الصّمت المقصود أيضا من المــضمر الــذي يــقوم على الإحالة الدّاخليّة في النصّ والذي يعمل على إفهام المخاطَب شيئا دون كلام بواســطة التلميح أو الافتراض.
وقد خلص النّاقد إلى التّنبيه على أنّ ما يُصــيّر الأمر إشكاليا حــقّا هـو هذا الصّمت السـّردي المعروض في ظاهـر النصّ والذي يُحيل على صمت أسـاسي غير مُعبّر عنه مُتموضع داخـل الخطاب وهو صمت لا مقصود(غير واع) .
الصّمت اللاّ مقصود: وهو الذي يُحيل في النصّ على الضّمني واللاّ مسمّى وعلى ما هو أخرس في الوعي الباطني أو المتوسّط أثناء فعل التّلفّـظ. ويكون ناجما عمّا لم يقدر المؤلّف على قوله.
وهو حسب "فان دان هيفل" صـمت النصّ الحـقيقي الرّابض هناك حيث يسكت الخـطاب ويتحـرّر اللاّوعي المُقيّد، فيردُ المنطوق مُلتبسا مُفارقا اللّغةَ ويتحوّل اللاّقول (Le non-dit) إلى قول لدى المخاطَب الفَطن بواسطة المُحتمَل والضّمني ـ السّياقي. ويتبدّى المخاطب راغبا في البوح بـسرّه. إلاّ أنّه عاجز عن قوله تلفّظا، ولم يبق أمامه من سبيل سوى أن يؤسّس ما أمكن له من البُؤر الجوفاء والثّغرات الفارغة.
وقد أفرد "فان دان هيفل" عامليْن يفسّر بهما هذا الصّمتَ: ـ العامل الأوّل وقد يعّرف كأنّه شكل من أشكال حبسة اللّسان (une forme d’aphasie) يرتدّ مصدره إلى لاوعي المخاطب ويتجلّى في النصّ في هيئة شخصيات لا تستطيع الكلام(كالأصمّ والأخرس والمتلجلج) وهو عنصر من عناصر السّرد المُعــتبرة كأنّها حبكة أو بالأحرى كأنّها ما وراء الصّمت (Le Méta silence) أي صمت على صمت. ـ أمّا العامل الثّاني فيبرز في النقص اللّغوي. فيُسجّل في هذه الحالة نفادُ الوسائل التلفّظيّة وعجزُ المتكلّم عن التعبير. ذلك أنّ أدواته التخاطبيّة تغدُو ناقصة إمّا لأنّ الكلـمات المُستخدمة ليست هي، وإمّا لأنّ المُتوفـّرة مُبتذلة وغدت غير قابلة الاستعمالَ بالنسبة إلى المخاطب. فيفضّل عندئذ تفويض الكلام للصّمت، وللمتلقّي أن يُكمل النّقص وحده ويُبادر بالبحث عن العبارات الصّالحة وتصوّر ما يراه مُناسبا.
2ـ) الصّمت المقصود من خلال النماذج المختارة:
قد لا نعدُو الصّواب إنْ ذهبنا إلى أنّ هذا الصّنف مُتواتر في النّصوص السّردية العربيّة. فلا يجد المؤلّف صعوبة في التوسّل إلى خطابه بالصّمت. ذلـك أنّ الكتابة قادرة على اسـتعمال أساليبَ عدّة تُحيل على نقص في الملفوظ. فما هذه الأساليب التي لاذ بها روائيونا؟ وما تجلّياتها في نصوصهم الإبداعيّة؟
2ـ1) النقص الخطّي:
يُقصد بالمصطلح، كما أسلفنا، ذلك الصّمت الذي يُستشفّ حضورُه انطلاقا من الكتابة ذات الفجوات الفارغة، أي من خلال الجمل النّاقصة المُتضمّنة في بدايتها أو في وسطها أو في نهايتها علامات حذف. كما قد يتكفّل بتجليته بياضٌ يرد في مُفتتح صفحة أو في مُختتمها فيحتلّ منها جزءا أو كلّ الأجزاء. وإنّ هذا النقص الخطّي يشتغل في النصّ كما لو كان جملة اعتراضية تُحيل على الموضوع مباشرة.
2ـ1ـ1) يصطدم قارئ "السدّ" ببياض يُحاصر منذ البدء ذاك الخطاب على الخطاب (Méta discours) الذي يتألّف من العنوان والتقديم والإهداء والتّعريف بالشّخصيات والفاتحة وبشبه عناوين المناظر الثّمانية. ويظلّ يفرض عليه ما بثّه فيه مؤلّفُه المجرّدُ من ألغاز وأسرار. ولعلّ أبرز بياض ذلك المُـحيط بالعنوان والفاتحة ـ التّصدير. فلا يدري أيَّ سدّ هذا الذي يأتي مُعرّفا في المكتوب ولا صفة تُخبر عنه غير الصّمت؟ بل ما الأشياء كلّها التي تُحلم النّفسَ ويتولاّها الشّعر دون النّثر؟ ليتواصل ذاك البياض في ملفوظ الرّاوي بشكل مكرور . أمّا بالنّسبة إلى حــوار الشّخصيات، فإنّه يرد فيه غزيرا، تفصح عنه علامات الحذف ولا يتداوله كلام غيلان وميمونة فحسب بل حتّى كلام ميارى والهـواتف والحجرات. ولم تـخلُ منه سوى تراتيل الرّهبان في المنظر الثّاني. وإذا كان خطاب ميمونة هو الذي شرع في احتضانه: "إنّه جبل... وليس بجبل" فإنّه هـو الذي اختتمه أيضا:"الأرض!هذه الأرض اكتشفتها..." وقد تـنوّعت مواطن استخدامه. فمثلما تخلّل الخطابَ نُلفيه كذلك ينفتح به وينغلق.
وإنّ ما يسترعي الانتباه خاصّة أنّ ملفوظ الإعجام لا يتكثّف في نصّ السدّ إلاّ في اللّحظات الحاسمة التي ينشب فيها الصراع الحجاجي بين غيلان وميمونة على أشدّه وتتباين المواقف وتتقاطع الرّؤى. فتحُول المواجهةُ دون الإفضاء بالمقاصد كلّها. نستدلّ على ذلك مثلا بما توفّر عليه المــنظر الأوّل من تناقض آراء شأن المـنظر الثّالث والمنظر السّادس.
2ـ1ـ2) أمّا في" ثرثرة فوق النيل" فإنّ النّقص الخطّي يتفرّع إلى فرعين. أحدُهـما يضمّ نقط التتابع وهي كثيرة نسبيّا وغالبا ما تكون في خاتمة الفقرة أو الجملة، وقلّما نصادفها في الوسط. وهي معدومة في الاستهلال. وتحتلّ في الحوار العادي الذي يجري بين أهل العوّامة مساحـة أكبر مــن تلك التي تحتلّها في سرد الرّاوي الأوّلي ومناجاة أنيس زكي الباطنية. وتأتي متقلصة العدد في البداية ولا تتكثّف إلاّ في أوقات الذّروة حين تتأزّم المواقف بعد الرّحلة الليلية التي أسـفرت عن مصرع الرّجل وإثر فصل أنيس عن شغله. وحتّى نوضّح ذلك نعرض بعض مواطنها في الصفحات التالية:(140ـ 141ـ 149ـ162ـ171 ـ180ـ181 ـ182ـ 183ـ184ـ 185 ــ186 ـ187ـ188ـ189).
والآخر يتمثّل في بياض مطبعي يرتسم على وجه الصفحة، ويكاد يكون متواترا في آخر الفصول نستدلّ عليه بالصفحات:(11ـ32ـ44ـ65ـ106ـ126ـ148ـ163ـ183ـ199).
وإنّ ما يلاحــظ أنّ نجيب محفوظ لا يبدو مكترثا بهذا الصّنف من الصّــمت ولا سيما في روايته هذه القائمة على الإطناب في الحديث والمناجاة والثرثرة.
2ـ1ـ3) على أنّه يسجّل حضورا منقطع النظير في نصّ "في بيت العنكبوت" وخاصّة عـبر نقط التّتابع التي لا يُحصى لها عددٌ. فكلّ جملة ترتطم بالبياض فتبرز مبتورة متشظّية. بل لا تسلم منه مرّات كثيرة حتّى الكلمات والحروف. ولعلّ مردّ ذلك إلى الحوار الباطــني وضمير المخاطب اللّذين ينهضان بالملفوظ. ولم يقتصر محمد الهادي بن صالح على علامات الحذف بل دعّمها ببياض الصفحات. ولئن ورد البـياض المطبعي لديه ضامـرا فإنّه يتخلّل الفقرات ويتصدّى للكتابة دون استئذان. من ذلك بياض أنصاف الصفحات(20ـ41ـ52ـ66ـ75ـ78ـ125). والطريف في هذا النّقص الخطّي أنّه متنوّع الأشكال. يمتزج فيه البياض بنقط التّتابع. والشّاهد الذي يحضرنا تضمّه الصفحتان(78 و80) . فإنْ جاء في الأولى منهما فاتحة وخاتمة لملفوظ سائق الشاحنة في الفصل الثّاني " مقتطف من تقرير بوليسي" فإنّه في الثّانية توسّط الخطاب ومهدّت له الحضورَ مفرداتُ الصّمت في اللّغة كالتّالي:
"وألجمه الصّمتُ. وتجلمد.
ـ5ـ3) مثّلت"في بيت العنكبوت" إبّان نشرها بسردها الذي ورد أغلبه بضمير المخاطب المفرد علامة مميّزة في الرّواية التونسية. ذلك أنّ استعمال هذا الضمير يعدّ نمطا غريبا، مفاجئا، وغير مألوف. فقد جنّد المؤلّف لخطابه السّرديّ رواة خمسة يتداولون عـلى السّرد. اثنان: منهم معـلومان لأنّهما شخصيّتان محوريّتان قد استقطبت ملفوظَهما صيغةُ المخاطبة، وهما الأب صالح القدري، وابنه محمود. وثلاثة مجهولُو الهويّة، من النّكرات، تشفّ عن اثنين منهما صفتُهما: شرطيّ مُقرّر، وسائق شاحنة، وينوب عنهما ضمير الغيبة المقدّر في فعل:(قال) وضمير المتكلّم النّاهض بفحوى الشهادة. وأمّا الخامس فهو مُضمر من خارج الحكاية ومغاير للقصّة لا يتدخّل إلاّ لماما، كما أنّ الأوّليْن منهم يحضران في الحوار الباطني الذي تخوضه الشخصية مع ذاتها في الرّواية كلّها خلا الجزء الثّاني منها وهو"مقتطف من تقرير بوليسي" يرد فيه المرويّ خبرا عاديّا معزّزا بسند ومتن. ويهمّنا في هذا الصّدد ذاك الحوار الباطني وعلاقته بالصّمت .
لاغرو، فسمته سمة خطاب أخرس لا يكرّس إلاّ مزيدًا من قطع الصّلة بما هو خارج عن الذّات والاستعاضة عن الكلام المنطوق بالهجس مع النفس . فقد لاح صالح، منذ البداية، راويا شخصيّة يعيش أزمة. فقد طلّق زوجته الخائنة وغـادر القرية مع ابنه إلى العاصمة هربا من الفضيحة والعار، ولم يعثر في بيت أخته إلاّ على الجحود والإهانة، وفي المجتمع إلاّ على العوز والتشرّد. لذلك أضحى منهزما: فاشلا في شغله [فحّاما لدى "العروسي"]، مُضيعا ابنه في الزّحمة. كما أصبح في قطيعة تواصلية مع الغير. ولم يبق له من مخاطَب يتواصل معه سوى أناه إلى أن داسته عجلات الشاحنة والتهمه صمت الموت. أمّا الرّاوي الثّاني الشخصيّة فهو الابن محمود الذي ورث عن أبيه مأساته الذّاتـية ومناجاته الباطنية وخزي الخيانة. قد أنس في دار رعاية المشـرّدين إلى العـزلة والبكاء والصّمت: " وبكـيتَ ليالي طوالا وأرهـقك البكاء فجفّت دموعك ولم تجد أولى من الصّمت لكنّ صمتك انقلب إلى حقد...عليهم جـميعا ولم تكلّم أحدهم مدّة أيّام..." وحين كبُر وغدا طالبا فمدرّسا كبُر معه ماضي أبيه بمأساته وقطيعته وصارت فضائح أمّه بالأمس واليوم خيوطَ عنكبوت تقيّده ومُثبطات تعوق زواجـه ومطامحه. لذا لم يعثر على عزائه إلاّ في عالم الجنس والكتب والصّمت. وإنْ لم تُختم حياتـه بموتة مثل حياة أبيه فإنّها قد أُلجمت بالصّمت.
لقد وظّف محمّد الهادي بن صالح في نصّه الرّوائي سيرة ذاتية مُموّهة. تحتضن بؤر صمت عدّة وحذوفات شتّى جلاّها تشظّي الملفوظ وتفتّت فقراته إلى جمل ممحوّة وكلمات مقطوعة وحروف متناثرة كما أكّدت حضورها نقاطُ التّتابع والتعجّب والاستفهام وبياضات الصّفحات النّاصعة.
هكذا نستخلص أنّ المدوّنة، بما تضمّنته من أعوان سرديين (Instances narratives) مُشاركين في الأحداث (Homodiégétiques) أو غير مشاركين، مُضمرين في مُجملهم أو مُعلنين، من خارج الـحكاية أو من داخلها، قد أمكن لأصحابها أن يؤسّسوا بنية سرديّة محكومة شخصياتُها بخطابيْ الصـّمت والكلام وقطيعة التّواصل مع الغير عدَا الذّات عبر الحوار الباطني. وقد يتيح الخوض في أصناف الصمت مزيد تجلية غموضه.
ب) ـ أصناف الصّمت:
1ـ) مدخل نظري:
لمّا كان الصّمت مسألة مُهملة في النّقد الأدبي فإنّ أصنافه تكاد تكون مجهولة. فلم نعثر لها على أثر إلاّ لدى "فان دان هيفل" أثناء اهـتمامه في دراسته بعـلاقة الصّمت بالقصديّة( L’Intention) .
فقد أرصد "فان دان هيفل" للصّمت صنفين اثنين أطـلق على أحـدهما الصّمت المقصــود أو الاختياري (Le Silence volontaire)والآخر الصّمت اللاّمقصود أو الاضطراري (Le Silence involontaire).
الصّمت المقصود: وعرّفه بكونه الفراغ المكّرس في النّص كأنّه استراتيجيا سرديّة تُترجم عمّا لا يروم المؤلّف قوله. وأشار إلى أنواعه التّالية:
ـ النّقص الخطّي (Le Manque graphique): وهو الجملة النّاقصة(غير التّامة) المتضمّنة بياضا، أو تشطيبا، أو اختصار حروف أولى من اسم علم، أو المنتهية بنقط تتابع، وأيضا بياض صفحة بأكملها من قبيل تلقّي البطل رسالة فارغة من صديق.
ـ والوصف الصّمتي: وهو عندما يشرع الرّاوي في التّعامل مع الصّمت تعاملَه مع مشهد وصفيّ فيؤدّي به تحديد الإطار المكاني الرّوائي إلى التّركيز على الطّبيعة الصّامتة ونحوها.
ـ وصمت الصّوت (Le Silence de la Voix) : وهو الصّمت الإنساني من وجهة التّلفّظ( صـمت الرّاوي مثلا والمرويّ له والشّخصيات ...) وتنتمي إلى أشكال الصّمت السّردي هذه أنـواعٌ مركّبة أخرى ( من قبيل ما هو موجود في الرّواية الجديدة) تطفو على سطح الخطاب كأنّـها مشاهد وصفيّة، يعكسها الصّمت التّحتي في صورة بياضات متعدّدة ورسائل ناقصة وخرائط جغرافية وصمت الأطـفال وتماثيل الـعرض، والجمل غير المسموعة والـكلمات الممحيّة والرّسوم المجزّأة... وغيرها .
كما يـتولّد الصّمت المقصود أيضا من المــضمر الــذي يــقوم على الإحالة الدّاخليّة في النصّ والذي يعمل على إفهام المخاطَب شيئا دون كلام بواســطة التلميح أو الافتراض.
وقد خلص النّاقد إلى التّنبيه على أنّ ما يُصــيّر الأمر إشكاليا حــقّا هـو هذا الصّمت السـّردي المعروض في ظاهـر النصّ والذي يُحيل على صمت أسـاسي غير مُعبّر عنه مُتموضع داخـل الخطاب وهو صمت لا مقصود(غير واع) .
الصّمت اللاّ مقصود: وهو الذي يُحيل في النصّ على الضّمني واللاّ مسمّى وعلى ما هو أخرس في الوعي الباطني أو المتوسّط أثناء فعل التّلفّـظ. ويكون ناجما عمّا لم يقدر المؤلّف على قوله.
وهو حسب "فان دان هيفل" صـمت النصّ الحـقيقي الرّابض هناك حيث يسكت الخـطاب ويتحـرّر اللاّوعي المُقيّد، فيردُ المنطوق مُلتبسا مُفارقا اللّغةَ ويتحوّل اللاّقول (Le non-dit) إلى قول لدى المخاطَب الفَطن بواسطة المُحتمَل والضّمني ـ السّياقي. ويتبدّى المخاطب راغبا في البوح بـسرّه. إلاّ أنّه عاجز عن قوله تلفّظا، ولم يبق أمامه من سبيل سوى أن يؤسّس ما أمكن له من البُؤر الجوفاء والثّغرات الفارغة.
وقد أفرد "فان دان هيفل" عامليْن يفسّر بهما هذا الصّمتَ: ـ العامل الأوّل وقد يعّرف كأنّه شكل من أشكال حبسة اللّسان (une forme d’aphasie) يرتدّ مصدره إلى لاوعي المخاطب ويتجلّى في النصّ في هيئة شخصيات لا تستطيع الكلام(كالأصمّ والأخرس والمتلجلج) وهو عنصر من عناصر السّرد المُعــتبرة كأنّها حبكة أو بالأحرى كأنّها ما وراء الصّمت (Le Méta silence) أي صمت على صمت. ـ أمّا العامل الثّاني فيبرز في النقص اللّغوي. فيُسجّل في هذه الحالة نفادُ الوسائل التلفّظيّة وعجزُ المتكلّم عن التعبير. ذلك أنّ أدواته التخاطبيّة تغدُو ناقصة إمّا لأنّ الكلـمات المُستخدمة ليست هي، وإمّا لأنّ المُتوفـّرة مُبتذلة وغدت غير قابلة الاستعمالَ بالنسبة إلى المخاطب. فيفضّل عندئذ تفويض الكلام للصّمت، وللمتلقّي أن يُكمل النّقص وحده ويُبادر بالبحث عن العبارات الصّالحة وتصوّر ما يراه مُناسبا.
2ـ) الصّمت المقصود من خلال النماذج المختارة:
قد لا نعدُو الصّواب إنْ ذهبنا إلى أنّ هذا الصّنف مُتواتر في النّصوص السّردية العربيّة. فلا يجد المؤلّف صعوبة في التوسّل إلى خطابه بالصّمت. ذلـك أنّ الكتابة قادرة على اسـتعمال أساليبَ عدّة تُحيل على نقص في الملفوظ. فما هذه الأساليب التي لاذ بها روائيونا؟ وما تجلّياتها في نصوصهم الإبداعيّة؟
2ـ1) النقص الخطّي:
يُقصد بالمصطلح، كما أسلفنا، ذلك الصّمت الذي يُستشفّ حضورُه انطلاقا من الكتابة ذات الفجوات الفارغة، أي من خلال الجمل النّاقصة المُتضمّنة في بدايتها أو في وسطها أو في نهايتها علامات حذف. كما قد يتكفّل بتجليته بياضٌ يرد في مُفتتح صفحة أو في مُختتمها فيحتلّ منها جزءا أو كلّ الأجزاء. وإنّ هذا النقص الخطّي يشتغل في النصّ كما لو كان جملة اعتراضية تُحيل على الموضوع مباشرة.
2ـ1ـ1) يصطدم قارئ "السدّ" ببياض يُحاصر منذ البدء ذاك الخطاب على الخطاب (Méta discours) الذي يتألّف من العنوان والتقديم والإهداء والتّعريف بالشّخصيات والفاتحة وبشبه عناوين المناظر الثّمانية. ويظلّ يفرض عليه ما بثّه فيه مؤلّفُه المجرّدُ من ألغاز وأسرار. ولعلّ أبرز بياض ذلك المُـحيط بالعنوان والفاتحة ـ التّصدير. فلا يدري أيَّ سدّ هذا الذي يأتي مُعرّفا في المكتوب ولا صفة تُخبر عنه غير الصّمت؟ بل ما الأشياء كلّها التي تُحلم النّفسَ ويتولاّها الشّعر دون النّثر؟ ليتواصل ذاك البياض في ملفوظ الرّاوي بشكل مكرور . أمّا بالنّسبة إلى حــوار الشّخصيات، فإنّه يرد فيه غزيرا، تفصح عنه علامات الحذف ولا يتداوله كلام غيلان وميمونة فحسب بل حتّى كلام ميارى والهـواتف والحجرات. ولم تـخلُ منه سوى تراتيل الرّهبان في المنظر الثّاني. وإذا كان خطاب ميمونة هو الذي شرع في احتضانه: "إنّه جبل... وليس بجبل" فإنّه هـو الذي اختتمه أيضا:"الأرض!هذه الأرض اكتشفتها..." وقد تـنوّعت مواطن استخدامه. فمثلما تخلّل الخطابَ نُلفيه كذلك ينفتح به وينغلق.
وإنّ ما يسترعي الانتباه خاصّة أنّ ملفوظ الإعجام لا يتكثّف في نصّ السدّ إلاّ في اللّحظات الحاسمة التي ينشب فيها الصراع الحجاجي بين غيلان وميمونة على أشدّه وتتباين المواقف وتتقاطع الرّؤى. فتحُول المواجهةُ دون الإفضاء بالمقاصد كلّها. نستدلّ على ذلك مثلا بما توفّر عليه المــنظر الأوّل من تناقض آراء شأن المـنظر الثّالث والمنظر السّادس.
2ـ1ـ2) أمّا في" ثرثرة فوق النيل" فإنّ النّقص الخطّي يتفرّع إلى فرعين. أحدُهـما يضمّ نقط التتابع وهي كثيرة نسبيّا وغالبا ما تكون في خاتمة الفقرة أو الجملة، وقلّما نصادفها في الوسط. وهي معدومة في الاستهلال. وتحتلّ في الحوار العادي الذي يجري بين أهل العوّامة مساحـة أكبر مــن تلك التي تحتلّها في سرد الرّاوي الأوّلي ومناجاة أنيس زكي الباطنية. وتأتي متقلصة العدد في البداية ولا تتكثّف إلاّ في أوقات الذّروة حين تتأزّم المواقف بعد الرّحلة الليلية التي أسـفرت عن مصرع الرّجل وإثر فصل أنيس عن شغله. وحتّى نوضّح ذلك نعرض بعض مواطنها في الصفحات التالية:(140ـ 141ـ 149ـ162ـ171 ـ180ـ181 ـ182ـ 183ـ184ـ 185 ــ186 ـ187ـ188ـ189).
والآخر يتمثّل في بياض مطبعي يرتسم على وجه الصفحة، ويكاد يكون متواترا في آخر الفصول نستدلّ عليه بالصفحات:(11ـ32ـ44ـ65ـ106ـ126ـ148ـ163ـ183ـ199).
وإنّ ما يلاحــظ أنّ نجيب محفوظ لا يبدو مكترثا بهذا الصّنف من الصّــمت ولا سيما في روايته هذه القائمة على الإطناب في الحديث والمناجاة والثرثرة.
2ـ1ـ3) على أنّه يسجّل حضورا منقطع النظير في نصّ "في بيت العنكبوت" وخاصّة عـبر نقط التّتابع التي لا يُحصى لها عددٌ. فكلّ جملة ترتطم بالبياض فتبرز مبتورة متشظّية. بل لا تسلم منه مرّات كثيرة حتّى الكلمات والحروف. ولعلّ مردّ ذلك إلى الحوار الباطــني وضمير المخاطب اللّذين ينهضان بالملفوظ. ولم يقتصر محمد الهادي بن صالح على علامات الحذف بل دعّمها ببياض الصفحات. ولئن ورد البـياض المطبعي لديه ضامـرا فإنّه يتخلّل الفقرات ويتصدّى للكتابة دون استئذان. من ذلك بياض أنصاف الصفحات(20ـ41ـ52ـ66ـ75ـ78ـ125). والطريف في هذا النّقص الخطّي أنّه متنوّع الأشكال. يمتزج فيه البياض بنقط التّتابع. والشّاهد الذي يحضرنا تضمّه الصفحتان(78 و80) . فإنْ جاء في الأولى منهما فاتحة وخاتمة لملفوظ سائق الشاحنة في الفصل الثّاني " مقتطف من تقرير بوليسي" فإنّه في الثّانية توسّط الخطاب ومهدّت له الحضورَ مفرداتُ الصّمت في اللّغة كالتّالي:
"وألجمه الصّمتُ. وتجلمد.

تعليق