.
السلام عليكم ورحمة الله ، وبعد
أشكر لأخي الدكتور عبدالعزيز الحربي دعوته الكريمة للمشاركة في هذا الموقع الطموح ، وأحمد له غيرته الحميدة على العربية الشريفة . وهذه أول مشاركة لي مع أعضاء المنتدى ومرتاديه من علماء وباحثين ومثقفين ، وإنه ليسعدني اطلاعكم عليها والتقاطع معها برأي أو نقد أو إضافة أو مناقشة أو ما شاء للعقل من ضروب الفكر والنظر .
وما يلي جزء من أطروحتي للدكتوراه بعنوان " العرف اللغوي - دراسة لغوية ثقافية " ، والتي كانت بإشراف أ.د.سليمان بن إبراهيم العايد ، ومناقشة أ.د.محيي الدين محسب ، و أ.د.عبدالكريم عوفي ، ونالت بحمد الله درجة الامتياز مع التوصية بالطبع .
ومقولة العرف اللغوي في الأطروحة هي تعديل للنظرية اللغوية السوسيرية الشائعة في الألسنية الحديثة ؛ تلك النظرية القائمة على ثنائية اللغة ******** والكلام speech ، وذلك بفرض عنصر ثالث هو ما سميته " العرف اللغوي " ، وهو عنصر يجمع في بنيته بين الذهنية الجمعية ( صفة اللغة ) والحسية الفردية ( صفة الكلام ) .
وكان الانطلاق إلى هذا الفرض من مسوغات عدة ذكرت في مقدمة الأطروحة ، منها أن ظواهر السياق الموقعية تأتي لحل مشكلات تطبيق النظام ( اللغة ) على الكلام ، وهذا يعني أنها لا تنتمي إلى أيّ منهما ، ضرورةَ أنها تحل مشكلات التعارض بينهما ، ومن هنا كان اقتراح عنصر ثالث يعدّ مرجعية لهذه الظواهر ، فكانت مقولة " العرف اللغوي " .
ومقولة العرف اللغوي تقوم - فيما تقوم عليه - على مقاصد لغوية وأخرى ثقافية تمثل قيم اللغة الكبرى ؛ وبتطبيق النظرية على العربية الفصحى رأيت أن هذه المقاصد هي : الفصاحة والإعراب والإفادة ومنع اللبس والبيان والاختصار والتوازن والخصوصية والأمية الثقافية ( للأمية هنا تفسير جديد يختلف عن المعنى التقليدي ؛ وأقصد بها - باختصار - صفة ثقافية مرنة تمكن العقل الجمعي من احتواء أنواع ومستويات مختلفة من اللغة والثقافة ؛ حيث يجد كل عضو في المجتمع مكانه في اللغة والثقافة دون طغيان أو تهميش ) . وهذه المقاصد يقوم عليها العقد اللغوي الذي هو المكون الأول من مكونات العرف اللغوي . وبجانبه المكونات الأخرى : الانتخاب اللغوي ( عن طريق آليات العرف اللغوي ) ، والتكرار والترسيخ ، والرقابة والحماية ، فهذه أربعة مكونات يقوم عليها العرف اللغوي .
وفيما يلي عرض لهذه المكونات الأربعة ، وهي مذكورة في المبحث الثاني _ الفصل الثاني في الأطروحة .
العقد اللغوي :
يقوم مفهوم "العقد" Contract في الفكر الاجتماعي الحديث على تصوّر مثالي لجميع العلاقات الاجتماعية يلتزم به أفراد الجماعة الواحدة بمحض إرادتهم ويتنازلون بمقتضاه عن بعض حرياتهم ويتعهدون باحترام حريات وحقوق الآخرين (1) ، وبموجب العقد الاجتماعي Social Contract يتنازل كل فرد عن بعض حقوقه للإرادة الكلية ويصبح كل فرد جزءا من الكل(2) .
والواقع أن مثل هذا يحدث في اللغة ، فما اللغة إلا ظاهرة اجتماعية تنعكس عليها قوانين الاجتماع وطبائعه . والعرف اللغوي هنا يعبّر عن الإرادة اللغوية الكلية التي يشترك فيها أفراد الجماعة اللغوية الواحدة وينحون إليها عن طريق هذا العقد اللغوي .
وكما يتأسّس العقد الاجتماعي على العقل الجمعي أو الاجتماعي Social mind الذي " يعبر عن الوحدة الذهنية للجماعة التي تتمثل في المشاعر والمعتقدات والآراء وغيرها من التصورات الجماعية ؛ أي بعبارة أخرى : الثقافة الاجتماعية التي تسود الجماعة " (3) ؛ فكذلك يتأسس العقد اللغوي على المقاصد الغوية الثقافية (4) التي تمثل قيم اللغة الكبرى التي تقوم عليها الوحدة اللغوية وتعدّ الغاية النهائية التي تتجه إليها أنظمة الكلام وقوانينه وأعرافه .
وليست الرواية التي أبى فيها أبو مَهْديّة الأعرابي رفع المستثنى في قولهم " ليس الطِّيبُ إلا المسكَ "بعدما جهد سائلوه في تلقينه الرفع محتجا بقوله : "ليس هذا لحني ولا لحن قومي"(5) إلا حادثة تعبّر في عمق عن حقيقة هذا العقد اللغوي الذي يقوم من اللغة مقام الشريعة من الدين ، وكذلك موقف صاحبه المنتجع الأعرابي (5) إذْ أصرّ على الرفع وأبى النصب متّبعًا كلُ واحد منهما عرفه اللغوي الذي يفرضه عقده اللغوي لا غيره ، وإلا فالنطق المخالف للعرف ممكن ارتكابه في حدود الحسّ ، إلا أن الأمر أكبر من قضية نطق يَمْذل به اللسان فحسب ؛ فهو أمر يتعدى المادة المجردة إلى القيم المحترمة !
يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة 535 .
(2) المعجم الفلسفي 421 .
(3) معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية 390 .
(4) سبق الحديث عنها في الفصل الأول المبحث الثاني .
(5) ذيل الأمالي والنوادر للقالي 39 .
السلام عليكم ورحمة الله ، وبعد
أشكر لأخي الدكتور عبدالعزيز الحربي دعوته الكريمة للمشاركة في هذا الموقع الطموح ، وأحمد له غيرته الحميدة على العربية الشريفة . وهذه أول مشاركة لي مع أعضاء المنتدى ومرتاديه من علماء وباحثين ومثقفين ، وإنه ليسعدني اطلاعكم عليها والتقاطع معها برأي أو نقد أو إضافة أو مناقشة أو ما شاء للعقل من ضروب الفكر والنظر .
وما يلي جزء من أطروحتي للدكتوراه بعنوان " العرف اللغوي - دراسة لغوية ثقافية " ، والتي كانت بإشراف أ.د.سليمان بن إبراهيم العايد ، ومناقشة أ.د.محيي الدين محسب ، و أ.د.عبدالكريم عوفي ، ونالت بحمد الله درجة الامتياز مع التوصية بالطبع .
ومقولة العرف اللغوي في الأطروحة هي تعديل للنظرية اللغوية السوسيرية الشائعة في الألسنية الحديثة ؛ تلك النظرية القائمة على ثنائية اللغة ******** والكلام speech ، وذلك بفرض عنصر ثالث هو ما سميته " العرف اللغوي " ، وهو عنصر يجمع في بنيته بين الذهنية الجمعية ( صفة اللغة ) والحسية الفردية ( صفة الكلام ) .
وكان الانطلاق إلى هذا الفرض من مسوغات عدة ذكرت في مقدمة الأطروحة ، منها أن ظواهر السياق الموقعية تأتي لحل مشكلات تطبيق النظام ( اللغة ) على الكلام ، وهذا يعني أنها لا تنتمي إلى أيّ منهما ، ضرورةَ أنها تحل مشكلات التعارض بينهما ، ومن هنا كان اقتراح عنصر ثالث يعدّ مرجعية لهذه الظواهر ، فكانت مقولة " العرف اللغوي " .
ومقولة العرف اللغوي تقوم - فيما تقوم عليه - على مقاصد لغوية وأخرى ثقافية تمثل قيم اللغة الكبرى ؛ وبتطبيق النظرية على العربية الفصحى رأيت أن هذه المقاصد هي : الفصاحة والإعراب والإفادة ومنع اللبس والبيان والاختصار والتوازن والخصوصية والأمية الثقافية ( للأمية هنا تفسير جديد يختلف عن المعنى التقليدي ؛ وأقصد بها - باختصار - صفة ثقافية مرنة تمكن العقل الجمعي من احتواء أنواع ومستويات مختلفة من اللغة والثقافة ؛ حيث يجد كل عضو في المجتمع مكانه في اللغة والثقافة دون طغيان أو تهميش ) . وهذه المقاصد يقوم عليها العقد اللغوي الذي هو المكون الأول من مكونات العرف اللغوي . وبجانبه المكونات الأخرى : الانتخاب اللغوي ( عن طريق آليات العرف اللغوي ) ، والتكرار والترسيخ ، والرقابة والحماية ، فهذه أربعة مكونات يقوم عليها العرف اللغوي .
وفيما يلي عرض لهذه المكونات الأربعة ، وهي مذكورة في المبحث الثاني _ الفصل الثاني في الأطروحة .
العقد اللغوي :
يقوم مفهوم "العقد" Contract في الفكر الاجتماعي الحديث على تصوّر مثالي لجميع العلاقات الاجتماعية يلتزم به أفراد الجماعة الواحدة بمحض إرادتهم ويتنازلون بمقتضاه عن بعض حرياتهم ويتعهدون باحترام حريات وحقوق الآخرين (1) ، وبموجب العقد الاجتماعي Social Contract يتنازل كل فرد عن بعض حقوقه للإرادة الكلية ويصبح كل فرد جزءا من الكل(2) .
والواقع أن مثل هذا يحدث في اللغة ، فما اللغة إلا ظاهرة اجتماعية تنعكس عليها قوانين الاجتماع وطبائعه . والعرف اللغوي هنا يعبّر عن الإرادة اللغوية الكلية التي يشترك فيها أفراد الجماعة اللغوية الواحدة وينحون إليها عن طريق هذا العقد اللغوي .
وكما يتأسّس العقد الاجتماعي على العقل الجمعي أو الاجتماعي Social mind الذي " يعبر عن الوحدة الذهنية للجماعة التي تتمثل في المشاعر والمعتقدات والآراء وغيرها من التصورات الجماعية ؛ أي بعبارة أخرى : الثقافة الاجتماعية التي تسود الجماعة " (3) ؛ فكذلك يتأسس العقد اللغوي على المقاصد الغوية الثقافية (4) التي تمثل قيم اللغة الكبرى التي تقوم عليها الوحدة اللغوية وتعدّ الغاية النهائية التي تتجه إليها أنظمة الكلام وقوانينه وأعرافه .
وليست الرواية التي أبى فيها أبو مَهْديّة الأعرابي رفع المستثنى في قولهم " ليس الطِّيبُ إلا المسكَ "بعدما جهد سائلوه في تلقينه الرفع محتجا بقوله : "ليس هذا لحني ولا لحن قومي"(5) إلا حادثة تعبّر في عمق عن حقيقة هذا العقد اللغوي الذي يقوم من اللغة مقام الشريعة من الدين ، وكذلك موقف صاحبه المنتجع الأعرابي (5) إذْ أصرّ على الرفع وأبى النصب متّبعًا كلُ واحد منهما عرفه اللغوي الذي يفرضه عقده اللغوي لا غيره ، وإلا فالنطق المخالف للعرف ممكن ارتكابه في حدود الحسّ ، إلا أن الأمر أكبر من قضية نطق يَمْذل به اللسان فحسب ؛ فهو أمر يتعدى المادة المجردة إلى القيم المحترمة !
يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة 535 .
(2) المعجم الفلسفي 421 .
(3) معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية 390 .
(4) سبق الحديث عنها في الفصل الأول المبحث الثاني .
(5) ذيل الأمالي والنوادر للقالي 39 .

تعليق