مكونات العرف اللغوي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خالد قحنون
    عضو جديد
    • Jun 2013
    • 5

    #1

    مكونات العرف اللغوي

    .


    السلام عليكم ورحمة الله ، وبعد
    أشكر لأخي الدكتور عبدالعزيز الحربي دعوته الكريمة للمشاركة في هذا الموقع الطموح ، وأحمد له غيرته الحميدة على العربية الشريفة . وهذه أول مشاركة لي مع أعضاء المنتدى ومرتاديه من علماء وباحثين ومثقفين ، وإنه ليسعدني اطلاعكم عليها والتقاطع معها برأي أو نقد أو إضافة أو مناقشة أو ما شاء للعقل من ضروب الفكر والنظر .

    وما يلي جزء من أطروحتي للدكتوراه بعنوان " العرف اللغوي - دراسة لغوية ثقافية " ، والتي كانت بإشراف أ.د.سليمان بن إبراهيم العايد ، ومناقشة أ.د.محيي الدين محسب ، و أ.د.عبدالكريم عوفي ، ونالت بحمد الله درجة الامتياز مع التوصية بالطبع .

    ومقولة العرف اللغوي في الأطروحة هي تعديل للنظرية اللغوية السوسيرية الشائعة في الألسنية الحديثة ؛ تلك النظرية القائمة على ثنائية اللغة ******** والكلام speech ، وذلك بفرض عنصر ثالث هو ما سميته " العرف اللغوي " ، وهو عنصر يجمع في بنيته بين الذهنية الجمعية ( صفة اللغة ) والحسية الفردية ( صفة الكلام ) .

    وكان الانطلاق إلى هذا الفرض من مسوغات عدة ذكرت في مقدمة الأطروحة ، منها أن ظواهر السياق الموقعية تأتي لحل مشكلات تطبيق النظام ( اللغة ) على الكلام ، وهذا يعني أنها لا تنتمي إلى أيّ منهما ، ضرورةَ أنها تحل مشكلات التعارض بينهما ، ومن هنا كان اقتراح عنصر ثالث يعدّ مرجعية لهذه الظواهر ، فكانت مقولة " العرف اللغوي " .

    ومقولة العرف اللغوي تقوم - فيما تقوم عليه - على مقاصد لغوية وأخرى ثقافية تمثل قيم اللغة الكبرى ؛ وبتطبيق النظرية على العربية الفصحى رأيت أن هذه المقاصد هي : الفصاحة والإعراب والإفادة ومنع اللبس والبيان والاختصار والتوازن والخصوصية والأمية الثقافية ( للأمية هنا تفسير جديد يختلف عن المعنى التقليدي ؛ وأقصد بها - باختصار - صفة ثقافية مرنة تمكن العقل الجمعي من احتواء أنواع ومستويات مختلفة من اللغة والثقافة ؛ حيث يجد كل عضو في المجتمع مكانه في اللغة والثقافة دون طغيان أو تهميش ) . وهذه المقاصد يقوم عليها العقد اللغوي الذي هو المكون الأول من مكونات العرف اللغوي . وبجانبه المكونات الأخرى : الانتخاب اللغوي ( عن طريق آليات العرف اللغوي ) ، والتكرار والترسيخ ، والرقابة والحماية ، فهذه أربعة مكونات يقوم عليها العرف اللغوي .

    وفيما يلي عرض لهذه المكونات الأربعة ، وهي مذكورة في المبحث الثاني _ الفصل الثاني في الأطروحة .




    العقد اللغوي :



    يقوم مفهوم "العقد" Contract في الفكر الاجتماعي الحديث على تصوّر مثالي لجميع العلاقات الاجتماعية يلتزم به أفراد الجماعة الواحدة بمحض إرادتهم ويتنازلون بمقتضاه عن بعض حرياتهم ويتعهدون باحترام حريات وحقوق الآخرين (1) ، وبموجب العقد الاجتماعي Social Contract يتنازل كل فرد عن بعض حقوقه للإرادة الكلية ويصبح كل فرد جزءا من الكل(2) .

    والواقع أن مثل هذا يحدث في اللغة ، فما اللغة إلا ظاهرة اجتماعية تنعكس عليها قوانين الاجتماع وطبائعه . والعرف اللغوي هنا يعبّر عن الإرادة اللغوية الكلية التي يشترك فيها أفراد الجماعة اللغوية الواحدة وينحون إليها عن طريق هذا العقد اللغوي .

    وكما يتأسّس العقد الاجتماعي على العقل الجمعي أو الاجتماعي Social mind الذي " يعبر عن الوحدة الذهنية للجماعة التي تتمثل في المشاعر والمعتقدات والآراء وغيرها من التصورات الجماعية ؛ أي بعبارة أخرى : الثقافة الاجتماعية التي تسود الجماعة " (3) ؛ فكذلك يتأسس العقد اللغوي على المقاصد الغوية الثقافية (4) التي تمثل قيم اللغة الكبرى التي تقوم عليها الوحدة اللغوية وتعدّ الغاية النهائية التي تتجه إليها أنظمة الكلام وقوانينه وأعرافه .

    وليست الرواية التي أبى فيها أبو مَهْديّة الأعرابي رفع المستثنى في قولهم " ليس الطِّيبُ إلا المسكَ "بعدما جهد سائلوه في تلقينه الرفع محتجا بقوله : "ليس هذا لحني ولا لحن قومي"(5) إلا حادثة تعبّر في عمق عن حقيقة هذا العقد اللغوي الذي يقوم من اللغة مقام الشريعة من الدين ، وكذلك موقف صاحبه المنتجع الأعرابي (5) إذْ أصرّ على الرفع وأبى النصب متّبعًا كلُ واحد منهما عرفه اللغوي الذي يفرضه عقده اللغوي لا غيره ، وإلا فالنطق المخالف للعرف ممكن ارتكابه في حدود الحسّ ، إلا أن الأمر أكبر من قضية نطق يَمْذل به اللسان فحسب ؛ فهو أمر يتعدى المادة المجردة إلى القيم المحترمة !


    يتبع

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة 535 .
    (2) المعجم الفلسفي 421 .
    (3) معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية 390 .
    (4) سبق الحديث عنها في الفصل الأول المبحث الثاني .
    (5) ذيل الأمالي والنوادر للقالي 39 .
    التعديل الأخير تم بواسطة خالد قحنون; الساعة 06-02-2013, 01:57 PM.
  • خالد قحنون
    عضو جديد
    • Jun 2013
    • 5

    #2
    .


    وليس "باب أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها " الذي عقده ابن جني في الخصائص إلا معبّرا في جوهره عن فكرة "العقد اللغوي" ، وقد ساق فيه عددا من الروايات والحكايات التي تدل بوضوح على هذه الحقيقة ، ومنها أبيات أبي مهدية الأعرابي الشهيرة وقصة المتنبي مع الأعرابي الذي صحّح لصاحبه لحنه (1) .



    الانتخاب اللغوي :


    في البيولوجيا يقوم قانون الانتخاب الطبيعي natural selection بدور أساسي في تفسير تطور الكائنات الحية وتنوعها ، " وهو قانون مشتق من قانون آخر هو قانون تنازع البقاء الذي يقضي بهلاك الكائنات الضعيفة غير الصالحة وبقاء الصالحة ، فينتج عن ذلك ارتقاء وتهذيب في الأنواع الحية " (2) .
    ويفسر هذا القانونُ تلك المغايرةَ في التنوع الحاصلة من الانتخاب بأنها تُمكِّن الأنواع من التلاؤم مع البيئة والبقاء والتنازع على القوت والصراع في سبيل البقاء ، وأن معنى "البقاء للأصلح " أي للذي يكون أكثر تأهيلا للتلاؤم مع البيئة . (3)

    وينبّه علماء الأحياء على نقطة مهمة في هذا الموضوع هي أن قانون الانتخاب " دليل على وجود نزعة محافظة كامنة في الطبيعة ، وأن عامل الانتخاب بهذه الصفة عامل استمرار وليس عامل تغيير " (4) .


    يتبع

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) انظر الخصائص 1/239 . وفي قصة المتنبي ما يدل على نوع من التناصح والتعاون يفرضه العقد اللغوي ولا دافع له إلا الضمير الجماعي ، فالمصحّح سارع في هداية صاحبه سِرًّا حينما لحن في قوله " فلاة يحير فيه الطرف " قائلا له : " يحار يحار " ! وكأن في هذا ضربا من النصيحة السرية استوجبها نوع من الضلال اللغوي غير المقصود ! على حدّ الحديث المروي : " أرشدوا أخاكم فقد ضلّ " لشخص لحن بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم .
    (2) معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية 371 .
    (3) انظر المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة 113 .

    (4) السابق 113 .

    تعليق

    • خالد قحنون
      عضو جديد
      • Jun 2013
      • 5

      #3
      .


      وكما يوجد هذا القانون في الكائنات الحية فإنه يوجد في الحياة الاجتماعية ، فالانتخاب الاجتماعي Social Selection هو العملية "التي ينبثق بمقتضاها الأفراد والجماعات والسمات الثقافية وتصبح لها السيادة أو على الأقل تتفوق على الضعيف من العناصر المنافسة"(1) .

      والأمر يوجد مثله في اللغة ، فالانتخاب هو جوهر عملية التكوين للعرف اللغوي ، بل هو لب العلاقات اللغوية وتطورها إلى أنواع متعددة عرفية ولهجية وأسلوبية .. الخ . وقد وعى القدماء هذا القانون ودوره الأساسي في تطور اللغة ونشوء الأنواع والمستويات المختلفة حينما تحدثوا عما سموه " الاختيار " أو " التخيّر " وفسروا به نشوء وتكون " الفصحى " بَدْءا من اللهجة القرشية التي كانت مخصوصة بقبيلة معينة ومنطقة معينة ثم أصبحت عامة مشتركة بين العرب أجمعين .

      ويعبّر نص ابن فارس الشهير عن المركز الأساس للتخيّر في عملية نشوء العرف الأفصح أو المستوى الأفصح في العربية حينما نقل الإجماع عن علماء العربية والأدب وأيام العرب بأن " قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة محمدا .. فكانت وفود العرب من حجّاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم"(2) . وهذا الجزء من النص يبدأ بالحديث عن "الانتخاب الحضاري" ؛ الديني والسياسي فهو الذي هيأ " للانتخاب اللغوي" الذي تحدث عنه بعد ذلك بقوله : " وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقّة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم ، فاجتمع ما تخيّروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب " (3) . ثم يكملون صورة الاختيار أو الانتخاب اللغوي الذي صنع لغة قريش ثم فصحى العربية بحديثهم عن عيوب الأنواع اللغوية التي تخلصت منها العربية الفصحى عن طريق عملية الانتخاب حينما يتحدثون عن اللغات المذمومة أو المعيبة التي تهذّبت عنها الفصحى ، " ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ولا عَجْرفية قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس مثل : تِعلمون ونِعلم ومثل شِعير و بِعير" ؟ (4) .


      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      (1) معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية 271 .
      (2) الصاحبي 33 .

      (3) السابق 33 – 34 . وانظر : حقيقة الفصحى ( بحث غير منشور ) ، سليمان العايد ، ص5 ، إذْ ذهب إلى أن الفصحى لغة ملفّـقة من شيئين : اختيارات لهجية من بيئات لغوية مختلفة ، واختيارات وآراء علماء العربية .
      (4) السابق.

      تعليق

      • خالد قحنون
        عضو جديد
        • Jun 2013
        • 5

        #4
        .


        ويضع اللغوي الكبير الفرّاء يدَه على هذا القانون اللغوي حينما يقول : " واعلم أن كثيرا مما نهيتك عن الكلام به من شاذ اللغات ومستكره الكلام لو توسعت بإجازته لرخّصت لكل أن تقول : رأيت رجلان ، ولقلتَ : أردت عن تقول ذلك ، ولكنْ وضعْنا ما يتكلم به أهل الحجاز وما يختاره فصحاء أهل الأمصار ، فلا تلتفت إلى من قال يجوز ، فإنا قد سمعناه إلا أنّا نجيزه للأعرابي الذي لا يتخيّر ، ولا نجيز لأهل الحضر والفصاحة أن يقولوا السلام عليكم (1) ولا : جيتُ من عَنْدك وأشباهه مما لا نحصيه من القبيح المرفوض " (2).

        وفي هذا النص المهم إشارة إلى ربط "الانتخاب اللغوي" بالمدنيّة ، فهو قانون تفرضه الحضارة ، وكلما تعقدت علاقاتها وزادت وتيرة صراعها زادت وتيرة الانتخاب وقويت فاعليته ، ولذا فالتجمعات اللغوية المنعزلة (الأعراب) لا يتضح فيها هذا القانون ، لذلك يجوز لهم من العرف ما لا يجوز لغيرهم .

        والانتخاب اللغوي يتمّ في إطار العقد اللغوي وتحت مظلة المقاصد اللغوية الكبرى ، وله آلياته التي يحقق بها العرف اللغوي مثل "القياس" و "كثرة الاستعمال" و "الحمل على النظير" و "التغليب" و "التضمين" و "التشبيه" ... الخ ما ذكر في المبحث الخامس _ الفصل الثاني من الأطروحة تحت عنوان " آليات العرف اللغوي " (3) .

        يتبع

        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


        (1) يبدو أنه يقصد "عليكِم" بالكسر أو "علاكم" بالتفخيم ، كما نبّه على ذلك مؤلف " لغة قريش " الآتي ذكره في الحاشية التالية .
        (2) تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة للجواليقي 5 ، نقلاَ عن " لغة قريش " لمختار الغوث 362 . ونقل ابن الجوزي بعض النص في مقدمة " تقويم اللسان " ت عبدالعزيز مطر 57 .
        (3) تحدث رالف فاسولد في سياق بحثه لقضية الازدواج اللغوي عما سماه " الاختيار اللغوي " قاصدًا به استخدام لغة دون غيرها في مواقف معينة ، وذلك بعد أن فرّق بين ثلاثة أنواع من الاختيار :
        أ- تبديل الشفرة ( اختيار بين لغتين ) .
        ب- مزج الشفرة ( اقتراض كلمات أو عبارات من لغة إلى أخرى ) .
        ج- تنوّع داخل اللغة الواحدة ( تنوع لهجي ) .
        وكان حديثه متعلقا بالنوع الأول الخاص بالازدواج اللغوي . وما سُمِّي في الدراسة " الانتخاب اللغوي " يتقارب مع النوع الثالث لدى فاسولد لكنه يختلف عنه بسبب ربط الانتخاب بمقولة العرف اللغوي بحسب المفهوم المذكور في الدراسة . انظر علم اللغة الاجتماعي للمجتمع ، رالف فاسولد ، ت إبراهيم الفلاي 317 – 318 .

        تعليق

        • خالد قحنون
          عضو جديد
          • Jun 2013
          • 5

          #5
          انتهى الحديث عن مكونين من المكونات الأربعة للعرف اللغوي

          وفيما بعد أستكمل الحديث عن المكونين الآخرين .

          تعليق

          يعمل...