#شيء من اللغة: اسم إبراهيم.. عربيّ لا عُجمة فيه
د. هادي حسن حمّودي
(هذه الحلقة من 580 كلمة هي خلاصة موجزة من كتاب: النبي إبراهيم من مشارف الشك إلى مشارق اليقين، الصادر سنة 2012 في 288 صفحة).
**
كان يهود الجزيرة العربية، يعرفون اللغة العربية ويتكلمون بها، ومن أدلة ذلك شاعرهم السموأل بن عادياء الذي يُضرب به المثل في الوفاء. فكانت الجزيرة العربية على معرفة بأسماء إبراهيم وأبرام وأبراهام من قبل ظهور الإسلام. لذا لم يُنكر أحد من العرب على القرآن الكريم أنه ذكر كلمة إبراهيم بدل أبرام أو أبراهام. ولو ذكر غيرها (لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)(فصلت 44).
**
الخلافات بين القدماء في أصل اسم إبراهيم ومعناه عديدة ومتناقضة، وهي مستمرة لدى المعاصرين. فهم ما بين قائل بسومريته، وقائل بسريانيته، وقائل بعبرانيته، وقائل بكلدانيته. ومنكر لوجود النبي إبراهيم.
ولتفسير معناه، قالوا: إن (إب) بالسريانِية معناه (الأب) و(راهيم) معناه الرّحيم، فمعناه: أبٌ راحم أو رحيم، وأبو الأنبياء، وأبو الأمّة، وقالوا: كلا بل هو (أبو رُهام) أي: أبو الجمهور العظيم. وكأنّه منقول عن (أبراهام). وقال آخرون إن الجزء الأوّل منه عربيّ والثّانِي كلدانِي.
ومن الواضح أن هذه المعاني لا دليل عليها، لأمور، منها:
* بعضها مرجعه إلى التشابه اللفظي: أبرام، أبراهام، أبو رهام، أب رحيم.. إلى آخره. ولا تستغرب قولي هذا فالتشابه اللفظي أوقع قدماء وتابعهم معاصرون في غير هذا أيضا، كالذي فسروا به كلمة (اللهمّ) بأن معناها: يا الله أُمّنا بخير، أي عمّم الخير علينا، متناسين الآية: (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فأين هو المعنى الذي ذكروه؟
* وبعضها يناقض التاريخ، لأن كل تلك التسميات لم تكن لإبراهيم حين ولادته. ولم تلحق به إلا بعد أن صار نبيا وأتمّ الكلمات: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) فكيف يسمَّى أبا الأنبياء من قبل أن يبعثه الله نبيا؟ ثم كيف لآزر أن يسميه بأي اسم من تلك الأسماء، منذ ولادته، وهو المصرّ على الشرك؟
أما النحويون فقد قرروا أن لفظة إبراهيم ممنوعة من الصّرف للعلَميّة والعُجمة. وتناسوا الرجوع إلى رأي الخليل بن أحمد الذي رأى أن العرب منعوه من الصرف لأنه أشبهَ اسما وقع في كلام العجم (انظر الكتاب المنسوب لسيبويه 3/235). فالخليل لم يقل إنها أعجمية، بل رأى أن الذين منعوها من الصرف رأوها تشبه كلمة وردت في كلام العجم. ورأى أنْ لو كانت خفيفة على اللسان، لصرفوها كما صرفوا هودًا ونوحًا. ولَمّا لم تكن كلمة إبراهيم من تلك الكلمات الخفيفة، استثقل القوم صرفها. فالمسألة إذن ليست مسألة عُجمة، بل مسألة خفة وثِقَل، أي مراعاة الذائقة اللغوية التي جعلت تلك الكلمة مصروفة والأخرى ممنوعة من الصرف. (أنظر، مثلا: العين 1/73).
ثم إن للكلمة جذرها وهو (برهم) ومنه البرهمة التي هي إدامة النظر وتسديده. وإلى الآن نقول: فلان سديد النظر، وصفا له بالحكمة وطول الفكر. وهي أقرب للقبول من المعاني المذكورة سابقا. فمعنى إبراهيم: المتأمل المفكر السديد النظر. وليس هذا غريبا وللآن تجد من اسمه علاّم، أو فكري، أو حكيم، وما إلى ذلك.
ولا ننسى أن اللغة السنسكريتية أطلقت كلمة (البراهمة) على الطبقة العليا في الديانة الهندوسية وهي تضمّ حكماءهم ورجال دينهم. وترى بعض الدراسات أن هذه اللفظة السنسكريتية، تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أي منذ نشوء الهندوسية. وذكر مصنفو العوائل اللغوية أنها اللغة الأم للغات الهندو – أوربية. ثم صار فريق منهم يزعم أنها الأم لكل لغات العالم. وهو زعم جزافي لا دليل عليه.
نصل إلى أن إبراهيم كلمة قديمة من العربية الأولى، من قبل الانشطار اللغوي، وتحولت في المنشطرات إلى أبرام وأبراهام وبراهمة وغيرها، وبقيت في العربية على لفظها.
فمن لم يقتنع بهذا فليجد علة غيرها للمنع من الصرف. إذ لا عُجمة في هذا الاسم.
د. هادي حسن حمّودي
(هذه الحلقة من 580 كلمة هي خلاصة موجزة من كتاب: النبي إبراهيم من مشارف الشك إلى مشارق اليقين، الصادر سنة 2012 في 288 صفحة).
**
كان يهود الجزيرة العربية، يعرفون اللغة العربية ويتكلمون بها، ومن أدلة ذلك شاعرهم السموأل بن عادياء الذي يُضرب به المثل في الوفاء. فكانت الجزيرة العربية على معرفة بأسماء إبراهيم وأبرام وأبراهام من قبل ظهور الإسلام. لذا لم يُنكر أحد من العرب على القرآن الكريم أنه ذكر كلمة إبراهيم بدل أبرام أو أبراهام. ولو ذكر غيرها (لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)(فصلت 44).
**
الخلافات بين القدماء في أصل اسم إبراهيم ومعناه عديدة ومتناقضة، وهي مستمرة لدى المعاصرين. فهم ما بين قائل بسومريته، وقائل بسريانيته، وقائل بعبرانيته، وقائل بكلدانيته. ومنكر لوجود النبي إبراهيم.
ولتفسير معناه، قالوا: إن (إب) بالسريانِية معناه (الأب) و(راهيم) معناه الرّحيم، فمعناه: أبٌ راحم أو رحيم، وأبو الأنبياء، وأبو الأمّة، وقالوا: كلا بل هو (أبو رُهام) أي: أبو الجمهور العظيم. وكأنّه منقول عن (أبراهام). وقال آخرون إن الجزء الأوّل منه عربيّ والثّانِي كلدانِي.
ومن الواضح أن هذه المعاني لا دليل عليها، لأمور، منها:
* بعضها مرجعه إلى التشابه اللفظي: أبرام، أبراهام، أبو رهام، أب رحيم.. إلى آخره. ولا تستغرب قولي هذا فالتشابه اللفظي أوقع قدماء وتابعهم معاصرون في غير هذا أيضا، كالذي فسروا به كلمة (اللهمّ) بأن معناها: يا الله أُمّنا بخير، أي عمّم الخير علينا، متناسين الآية: (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فأين هو المعنى الذي ذكروه؟
* وبعضها يناقض التاريخ، لأن كل تلك التسميات لم تكن لإبراهيم حين ولادته. ولم تلحق به إلا بعد أن صار نبيا وأتمّ الكلمات: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) فكيف يسمَّى أبا الأنبياء من قبل أن يبعثه الله نبيا؟ ثم كيف لآزر أن يسميه بأي اسم من تلك الأسماء، منذ ولادته، وهو المصرّ على الشرك؟
أما النحويون فقد قرروا أن لفظة إبراهيم ممنوعة من الصّرف للعلَميّة والعُجمة. وتناسوا الرجوع إلى رأي الخليل بن أحمد الذي رأى أن العرب منعوه من الصرف لأنه أشبهَ اسما وقع في كلام العجم (انظر الكتاب المنسوب لسيبويه 3/235). فالخليل لم يقل إنها أعجمية، بل رأى أن الذين منعوها من الصرف رأوها تشبه كلمة وردت في كلام العجم. ورأى أنْ لو كانت خفيفة على اللسان، لصرفوها كما صرفوا هودًا ونوحًا. ولَمّا لم تكن كلمة إبراهيم من تلك الكلمات الخفيفة، استثقل القوم صرفها. فالمسألة إذن ليست مسألة عُجمة، بل مسألة خفة وثِقَل، أي مراعاة الذائقة اللغوية التي جعلت تلك الكلمة مصروفة والأخرى ممنوعة من الصرف. (أنظر، مثلا: العين 1/73).
ثم إن للكلمة جذرها وهو (برهم) ومنه البرهمة التي هي إدامة النظر وتسديده. وإلى الآن نقول: فلان سديد النظر، وصفا له بالحكمة وطول الفكر. وهي أقرب للقبول من المعاني المذكورة سابقا. فمعنى إبراهيم: المتأمل المفكر السديد النظر. وليس هذا غريبا وللآن تجد من اسمه علاّم، أو فكري، أو حكيم، وما إلى ذلك.
ولا ننسى أن اللغة السنسكريتية أطلقت كلمة (البراهمة) على الطبقة العليا في الديانة الهندوسية وهي تضمّ حكماءهم ورجال دينهم. وترى بعض الدراسات أن هذه اللفظة السنسكريتية، تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أي منذ نشوء الهندوسية. وذكر مصنفو العوائل اللغوية أنها اللغة الأم للغات الهندو – أوربية. ثم صار فريق منهم يزعم أنها الأم لكل لغات العالم. وهو زعم جزافي لا دليل عليه.
نصل إلى أن إبراهيم كلمة قديمة من العربية الأولى، من قبل الانشطار اللغوي، وتحولت في المنشطرات إلى أبرام وأبراهام وبراهمة وغيرها، وبقيت في العربية على لفظها.
فمن لم يقتنع بهذا فليجد علة غيرها للمنع من الصرف. إذ لا عُجمة في هذا الاسم.
المصدر

تعليق