الرؤية التراثية العربية للواقعية قراءة في كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي"

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    الرؤية التراثية العربية للواقعية قراءة في كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي"

    الرؤية التراثية العربية للواقعية قراءة في كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي"
    أ.د.أحمد يحيى علي





    إن اللغة بوصفها أداة للتعبير والتمثيل؛ أي تمثيل ما في العالم من أشياء (بشرية وغير بشرية)، وما يقع فيه من حوادث في سياقات لغوية حافظة لها بالنظر إلى ظرفها الزماني وبيئتها المكانية وسياقها الثقافي هي بمثابة دليل كاشف يهتدي به الآتي بعد في ظل لحظته التاريخية التي يحياها، وعلاقته بمحيطه الجمعي الذي يأوي إليه، وهذه المرآة المسماة لغة تتيح للرائي تحصيل تجارب عبر القراءة، وصياغة رؤى إزاء ما يقع في عالمه تبعا لتشابه المواقف بين اللاحق والسابق عليه([1])؛ فتجارب البشر وإن كانت لا تتكرر بشكل حرفي، لكن فيها من مقومات التماثل ما يتيح لكل جيل إدراك ما تحمله من دروس وعظات مفيدة في معالجة ما في اللحظة الراهنة من أحوال.

    وفي النص القرآني الذي نزل ليكون مخاطبا وهاديا لأمة آخر الزمان ما في القصص المتصلة بسير الأولين ما يواكب القصد الإلهي من مسألة البعثة والرسالة، وينسجم مع هذه المسلمة الحيوية كقوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم)([2]) وقوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)([3]) فمقتضيات الدعوة تقتضي التحذير/الإنذار للمخالفين الرافضين بتذكيرهم بما أصاب مَنْ قبلهم.

    واختيار الفكرة مراد اهتمام الكاتب يخضع لعوامل عدة، منها: قناعاته وما يؤمن به، واحتياجات الواقع الذي يعيش فيه؛ بوصف المكتوب رد فعل لواقع يحياه صاحبه، ويرى فيه من الفعل ما يستوجب من وجهة نظره تناولا بالقلم يخدم غايات يريد تحقيقها من خلاله([4])، وتكوين النفس البشرية القائم على ثنائية (الخير والشر)، (الإيجاب والسلب)، (الجمال والقبح)؛ يعد الإطار الذي ينضوي تحته كل مواقف البشر عبر مسارهم الزمني الممتد وحتى انتهاء الدنيا.

    وتأتي كتابات أهل العلم على اختلاف مشاربهم عاكسة – كلٌّ في بابه – هذا التكوين، وتماشيا بشكل واعً مقصود أو غير واعٍ مع منهج الدعوة المتبع من قبل الرسل المبعوثين.

    وفي حقل الفلسفة – على سبيل المثال – ظهر ما يسمى بمذهب المثالية، ومذهب الواقعية، وكلاهما يتعامل مع واقع الذات الإنسانية على الأرض بمنظور مختلف مناقض للآخر؛ فبينما تنظر المثالية إلى الحياة بوصفها سعادة ونعمة لمن فيها، نجد الواقعية التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تتعامل معها بوصفها شرا ووبالا ونقمة ([5])، ولكل منهما بالطبع حيثياته ومبرراته، لكنّ الاثنين في نهاية المطاف لا يخرجان عن حال النفس البشرية عموما المتنقل بين نقيضين، كلاهما يعبر عن هويتها بدقة؛ بوصفها حاملا لملاك داخلها ولشيطان يتنازعانها، ويظهر أثر عملهما في عمليات البناء والإنجاز والحضارة في مقابل مواقف الصراع والهدم والتدمير التي لا تخلو الأرض من الاثنين معًا (البناء والهدم)، ولن تخلو حتى لحظات النهاية بالنسبة إلى عمر الدنيا.

    وابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي بن محمد 508هـ -597هـ) يقدم لنا مصنفات تعكس رؤية واقعية لها جذور بالطبع في تراثنا تتضمن موقفا من سياق اجتماعي يموج بما يتكون منه من شرائح بنماذج من البشر، منها ما هو قابل للاتباع والقدوة، ومنها ما هو غير ذلك، في سلسلة متعددة الحلقات، فيها كتابه: "أخبار الظراف والمتماجنين"، وكتابه: "أخبار الأذكياء"، وكتابه موضوع هذه الدراسة: "أخبار الحمقى والمغفلين".

    إن ثنائية (الجمال والقبح) يمكن العثور على تشكيل أدبي لها بالنظر إلى هذين المصنفين لابن الجوزي الذي يقع أحدهما موقع الضد من الآخر "أخبار الأذكياء" الذي قُدر له أن يذيع وينتشر مع خروج نقيضه "أخبار الحمقى والمغفلين" إلى النور، وتلك مفارقة؛ فإذا كانت الأشياء تتميز بضدها فإن الذكي الذي يمثل نموذجا للقدوة التي تبني والجديرة بالاتباع يستحضر إلى العقل المتأمل الضد منه؛ ألا وهو القدوة التي تستوجب بقيمها الفكرية وما يترتب عليها من أفعال النفور والمخالفة، هكذا تطرح تجربة ابن الجوزي عبر كتابيه هذين؛ فمنطقة الحكمة في حياة الإنسان تلازمها منطقة أخرى تمثل موطنا للشر والانحراف؛ ألا وهي منطقة الفجور، ولعلنا نجد في قوله تعالى: (ونفْسً وما سوَّاها * فألْهَمَها فُجُورَها وتَقْوَاها * قد أفلح من زَكَّاها * وقدْ خاب مَن دَسَّاها)([6]) ما يعكس هذه الحال.

    وابن الجوزي في الصفحات الأولى من كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين" يعرض على قارئه حيثيات الوضع الخاصة بهذا الكتاب، ونقيضه "أخبار الأذكياء" على هذا النحو:

    "وبعد فإني لما شرعت في جمع أخبار الأذكياء، وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالا يحتذى؛ لأن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة، آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أشياء:

    الأول: أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموا؛ فحثه ذلك على الشكر...

    والثاني: أن ذكر المغفلين يحث المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة، إذا كان ذلك داخلا تحت الكسب وعامله فيه الرياضة. وأما إذا كانت الغفلة مجبولة في الطباع فإنها لا تكاد تقبل التغيير.

    والثالث: أن يروِّح الإنسان قلبه بالنظر في سير هؤلاء المبخوسين حظوظا يوم القسمة؛ فإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجد، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنظلة: ساعة وساعة. وعن حنظلة الكاتب أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة والنار، وكنا كأن رأينا رأي العين، فخرجت يوما فأتيت أهلي فضحكت معهم فوقع في نفسي شيء، فلقيت أبا بكر، فقلت: إني قد نافقت، قال: وما ذاك؟ قلت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الجنة والنار، فكنا كأن رأينا رأي عين، فأتيت أهلي، فضحكت معهم، فقال أبو بكر: إنا لنفعل ذلك، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ياحنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق، يا حنظلة ساعة وساعة"([7]).

    إن ابن الجوزي يطرح من خلال هذه المقدمة التي صدر بها كتابه منظوره للفن ورسالته –عمومًا – التي يجب أن تكون جامعة بين جانبي المنفعة والمتعة معًا([8])؛ فلا نكتفي بواحد دون الآخر، ولا يطغى في الوقت نفسه أحدهما على الآخر، هكذا تقول كلماته هذه ضمنا دون تصريح، وفي سياق حديثه عن العلة فيما تضمنه كتابه وما يتصل به من ترويح بالهزل، وذكره لمواقف منثورة وأشعار، من مثل إيراده أبياتا لأبي فراس الحمداني:

    أروح القلب ببعض الهزل *** تجاهلا مني بغير جهــــــــــل

    أمزح فيه مزح أهل الفضل *** والمزح أحيانا جلاء العقل([9])

    يعلق في وعي القارئ مفردات متنوعة، مثل الواقعية، الأدب التعليمي، والترويح والتسلية، والمتعة، والأدب الساخر. إن الموقع الذي يتخذه الكاتب إزاء ما في عالمه من ظواهر، موقفه منها موقف الرافض يقود إلى هذا الشكل الأدبي الفني المبني على السخرية، ونرى حضورا له في تراثنا العربي – على سبيل المثال – في هذه الشخصية التي تحظى بحضور في أدبنا الشعبي؛ ألا وهي شخصية جحا (أبو الغصن دجين بن ثابت الفزاري)؛ ومن ثم فإن مصنف ابن الجوزي يمثل مفتاحا لباب يمكن للقارئ الولوج منه إلى تلك الشخصية في تراثنا الشعبي، وما صاحبها من مواقف تعكس تجسيدا جماليا دراميا لمثالب وعورات موجودة في سياق واقعي معيش.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    وينقسم الكتاب إلى أربعة وعشرين بابا، استهلها بذكر الحماقة ومعناها، وختمها بالباب الرابع والعشرين خصصه لذكر المغفلين على الإطلاق، وبين الأول والأخير يتوقف القارئ عند محطات: منها على – سبيل المثال – "ذكر اختلاف الناس في الحمق" في الباب الثالث، "وفي ذكر أسماء الأحمق" في الباب الرابع، و"في التحذير من صحبة الأحمق" في الباب السادس، و"في ذكر أخبار من ضرب المثل بحمقه وتغفيله" في الباب الثامن، و"في ذكر المغفلين من القضاة" في الباب الثاني عشر، و"في ذكر المغفلين من الأمراء والولاة" في الباب الثالث عشر، و"في ذكر المغفلين من الكتاب والحجاب" في الباب الرابع عشر، و"في المغفلين من الأئمة" في الباب السابع عشر، و"في من قال شعراً من المغفلين" في الباب التاسع عشر، و"في المغفلين من القصاص" في الباب العشرين، و"في ذكر المغفلين من الحاكة" في الباب الثالث والعشرين.([10])

    وتتفق طريقة ابن الجوزي في تشكيل مادة كتابه مع سمة تأليفية بنت عصرها؛ ألا وهي الخبر القصصي الذي يعمد صاحبه إلى ذكر الحكاية مصحوبة – في الغالب - بكيفية حصوله عليها من خلال ذكر الرواة الذين أخذ عنه، معطيا بذلك إيحاء بأن متن القصة المحكية حقيقي الحدوث؛ محاكيا بذلك الآلية التي كانت متبعة في جمع الحديث النبوي الشريف في ذاك الزمن؛ فبناء الخبر القصصي – غالبا - كبناء الحديث يقوم على سند ومتن([11]) .

    وبعد هذا العرض التمهيدي يأتي حديث ابن الجوزي عن الحمق والغفلة من بوابة المعجم؛ ليكون ما يرد ذكره من أبنية قصصية بمثابة تفصيل فني حكائي عاكس للمعنى المعجمي:

    "قال ابن الأعرابي: الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت، فكأنه كاسد العقل؛ فلا يشاور، ولا يلتفت إليه في أمر حرب. وقال أبو بكر المكارم: إنما سميت البقلة حمقاء؛ لأنها تنبت في سبيل الماء وطريق الإبل، قال ابن الأعرابي: وبها سمي الرجل أحمقا؛ لأنه لا يميز كلامه من رعونته... معنى الحمق والتغفيل هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود، بخلاف الجنون فإنه عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعا؛ فالأحمق مقصوده صحيح، ولكن سلوكه الطريق فاسد، ورؤيته في الطريق الواصل إلى الغرض غير صحيحة"([12])

    إن الأحمق والغافل مشهود لهما بحيازة العقل والوعي والإدراك، لكن الأداءات الموصلة إلى الغاية هي المحك والفيصل في الحكم والتصنيف بين الجدير برتبة الذكاء والحكمة، ومن ينزل عنها شاغلا نقيضها. وفي رحلة المتابعة داخل عالم ابن الجوزي يتوقف القارئ في الباب الرابع أمام ما للرجل الأحمق من أسماء أخرى يعرف بها، مثل: الرقيع، المائق، الأزبق، الهجهاجة، الهلباجة.. وغيرها، وما للمرأة الحمقاء أيضا من أسماء تعرف بها، مثل: الورهاء، الخرقاء، الدفنس، الخذعل، الهوجاء.. وغيرها([13])

    إن هذه المنطقة السلبية في الشخصية الإنسانية تقتضي نظرًا يقف منها موقف الرافض لها، الداعي إلى النفور منها؛ لأن الله سبحانه وتعالى ركب في الإنسان أداة للفكر اسمها العقل، ومعها أداة للحب والكره - وهي أيضا محل الإيمان - اسمها القلب، وجعل معهما حواس تربط هذا الإنسان بعالمه لتكون بمثابة أدوات وصل ومؤن يستعين بها في تفاعله مع عالمه؛ بوصفه خليفة في أرض الله، وعليه أن يبني حياته وفق مراد ربه، والانحراف عن هذا القصد يؤثر بالسلب في واقع الفرد وواقع المجموع الذي يعد هذا الفرد جزءا منه؛ ومن ثم في بنية الحياة نفسها بوصفها وعاء حاضنا لكل حي من إنسان وغير إنسان، وبلا شك فإن نموذج الأحمق والغافل ليس في صالح البناء الحضاري الذي على الإنسان أن ينجزه تبعا لما يمتلكه من مقومات الدين والدنيا، وفي هذا البناء يلمح الناظر المعتبر منظومة ثلاثية تقف وراء إقامته، هي: (العقل والقلب) و(الحواس) و(اللغة) التي تسير في مسارين أثيرين:

    الأول: مسار الرصد والتسجيل ذو الصبغة التاريخية لحاصل علاقة هذا الإنسان مع عالمه، وما يتمخض عنها من نتائج وتجارب، وفي هذا المسار تسكن معارف شتى تؤمن جميعها بما هو مشاهد وما هو ملموس.

    أما المسار الثاني فهو المعتمد على جانب الخيال الذي يعيد قراءة العالم وفق منظار يتجاوز الملموس والموجود ليقدم رؤية موازية مجازية متجاوزة ما هو حقيقي قابل للمشاهدة وخاضع للتجريب، وفي هذا المسار الثاني يسكن الفن الموظف للغة بأشكاله المختلفة.

    والخبر القصصي الذي مثل الوعاء الأشهر لكتاب الحكايات في تراثنا العربي يلجؤون إليه في وضع تشكيلاتهم المنثورة يشير في اعتماد المصنف العربي القديم عليه – ونموذجه ابن الجوزي - إلى منطقة التقاء بين ما هو تاريخي، وما هو فني سمته الخيال:

    "روينا عن الأحنف بن قيس أنه قال: قال الخليل بن أحمد: الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم فخذوا عنه. ورجل يدري وهو لا يدري أنه يدري، فذاك ناسٍ فذكروه. ورجل لا يدري وهو يدري أنه لا يدري، فذاك طالب فعلموه. ورجل لا يدري وهو لا يدري أنه لا يدري، فذاك أحمق فارفضوه.

    وقال أيضًا: الناس أربعة؛ فكلم ثلاثة ولا تكلم واحدًا، رجل يعلم ويعلم أنه يعلم، فكلمه. ورجل يعلم ويرى أنه لا يعلم، فكلمه. ورجل لا يعلم ويرى أنه لا يعلم، فكلمه. ورجل لا يعلم ويرى أنه يعلم، فلا تكلمه.

    قال جعفر بن محمد: الناس أربعة: رجل يعلم ويعلم أنه يعلم، فذاك عالم فتعلموا منه. ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم، فذاك نائم فأنبهوه. ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم، فذاك جاهل فعلموه. ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم، فذاك أحمق فاجتنبوه"([14])

    يعد هذا الاستشهاد الذي ورد في الباب السادس تحت عنوان "في التحذير من صحبة الأحمق" علامة دالة على الصبغة التعليمية التي حرص ابن الجوزي عليها في كتابه، يعول عليها في صياغة حالة نفسية وذهنية لدى المتلقي تتخذ موقف المخاصم لهذا الصنف، من خلال آلية توظف أسلوب العرض والتعليق، وبعد أن يعرج في الباب السابع على الذين ضرب بهم المثل في الحمق من بشر وحيوانات وطيور([15]) يأتي في الباب الثامن ليذكر أسماء أعلام من العرب عرف عنهم الحمق، وضرب بهم المثل فيه:

    "من أخبار هبنقة الأحمق:

    فمنهم هبنقة واسمه يزيد بن ثروان، ويقال: ابن مروان، أحد بني قيس بن ثعلبة، ومن حمقه، أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف، وقال: أخشى أن أضل نفسي؛ ففعلت ذلك لأعرفها به، فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه، فلما أصبح قال: يا أخي أنت أنا، فمن أنا؟...

    واختصمت طفاوة وبنو راسب في رجل ادعى كل فريق أنه في عرافتهم، فقال هبنقة: حكمه أن يلقى في الماء، فإن طفا فهو من طفاوة، وإن رسب فهو من راسب...

    وكان إذا رعى غنما جعل يختار المراعي للسمان وينحي المهازيل، ويقول: لا أصلح ما أفسده الله".([16])

    إن النزعة الساخرة في تقديم الحكاية طريق يلجأ إليه الراسل ليحقق مقاصده التربوية عبر هذا التأثير الإمتاعي المؤسس على جانب التسلية والترفيه الذي أشار إليه المؤلف في بدايات كتابه، تاركا الحكم للمتلقي الرشيد بعد أن تلتقي عنده الغايتان، غاية المتعة، وغاية المنفعة بالمعرفة عبر الاقتراب من تجارب الغير.

    "أبو غبشان الأحمق:

    ..هو من خزاعة كان يلي الكعبة، فاجتمع مع قصي بن كلاب بالطائف على الشرب، فلما سكر اشترى منه قصي ولاية البيت بزق خمر، وأخذ منه مفاتيحه وسار بها إلى مكة، وقال: يا معشر قريش هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل، ردها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم. وأفاق أبو غبشان فندم؛ فقيل: أندم من أبي غبشان! وأخسر من أبي غبشان! وأحمق من أبي غبشان! قال بعضهم البسيط:

    باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت *** بزق خمر فبئست صفقة البادي

    ...ثم جاءت خزاعة فغالبوا قصيا فغلبهم".([17])

    إن هذه الأذكار الحكائية لدى ابن الجوزي تقوم في غالبها على سؤال إجرائي/ مفاده: كيف يفكر الأحمق؟ هذا السؤال الذي يستحيل إلى حزمة من الأفعال يؤديها، ويترتب عليها اتصافه بتلك الصفة المذمومة (أحمق)، التي تعد بمثابة حكم يصدره طرف آخر يتابع ويشاهد ويعايش، ويجب أن يحظى بمقومات تؤهله كي يكون حكما مبرأ من عوارض الهوى والجهل والقصور؛ لأن قناعته قد لا تكون ملكا له وحده تبقى ملازمة له، بل قد يُكتب لها الانتشار في فضاءات للتداول؛ ومن ثم لابد من إدراك ما للكلمة من مسؤولية تقع على عاتق مستخدمها كتابة ونطقا.

    وابن الجوزي ومن على شاكلته يقفون هذا الموقف؛ أي موقف المستأمن على الكلمة يصف بها ويحلل، ويضع الحكم، الذي قد يكون سببا وأثرا في توجيه مسار غيره فردا كان أو مجموعا فكريا وسلوكيا؛ ومن ثم فإن فكرة اللهو المباح التي طرحها ابن الجوزي في مستهل كتابه، تحمل ضوابط تحول بينها وبين أن تصير عبثا بلا فائدة مرجوة في نهاية المطاف؛ خصوصا إذا كان هذا اللهو أوقاتا تتخلل مجالس الذكر وحلق العلم؛ لتكون ترويحا يبعث في النفس نشاطها ويحول بينها وبين الانغلاق بالملل والفتور، ومصنف ابن الجوزي إذًا يتجه صوب هذه المنطقة الزمنية الفاصلة بين لحظات الجد، ولا تتخلى على الرغم من طابعها المرح عن جانب القيمة يكتسبها المتلقي، ويسهم بها في إثراء رصيده المعرفي الذي بالقطع سيغادر صداه في واقعه وواقع غيره، في إطار ثنائية (العلم والعمل)؛ فكل منتج أدبي لا يحمل قضية، ولا يحمل في دوافع خروجه إلى دنيا الناس دعوة إلى تغيير من يستقبله من حال إلى ما هو أفضل منها عروجا ورقيا وإصلاحا فلا وزن له.

    هكذا تقدم لنا ثنائية (الفعل والصفة الناجمة عنه) قناعة نستشفها من خلال متابعتنا للبناء الدرامي لشخصية الأحمق، وكيف يقدم رسائل سلبية بأفعاله تتنافى تماما وهذه الغاية الشريفة المذكورة في قوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة)([18]) ؛ إن هذه الرسائل تمتد بالنتائج المترتبة عليها إلى سياق العالم حوله؛ ومن ثم وجود هذا النموذج الإنساني القبيح يتطلب ردود فعل داعية لمواجهته عبر آليات مختلفة، منها اللغة وتشكلاتها المتنوعة؛ بوصفه تشخيصا لقيمة تعرقل حركة الفرد والجماعة باتجاه البناء الإيجابي. ويبدو أن هذه سمة الفن عموما - والأدب أحد مظاهره - أنه ينظر إلى العالم؛ بوصفه حزمة من الأفكار ذات طابع تجريدي تتم صناعتها وفق لغة الرمز، والأمر بالنسبة إلى المعنيين بها ليس أمر أشخاص لها أسماء أعلام قد اشتهرت بها، إنما العبرة بما يصاحب الشخص من فكر ذي أثر.

    " من حماقات جحا:

    وعن أبي بكر الكلبي أنه قال: فخرجت من البصرة، فلما قدمت الكوفة إذا أنا بشيخ جالس في الشمس، فقلت: يا شيخ أين منزل الحكم؟ فقال لي وراءك، فرجعت إلى خلفي، فقال: يا سبحان الله، أقول: وراءك وترجع إلى خلفك؟! أخبرني عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا"؛ قال: بين أيديهم. فقلت: أبو من؟ قال: أبو الغصن، فقلت: الاسم، قال: جحا... قال المصنف: وجمهور ما يروى عن جحا أنه تغفيل نذكره كما سمعناه...

    وحكى أبو منصور الثعالبي في كتاب غرر النوادر... مات جار له، فأرسل إلى الحفار ليحفر له، فجرى بينهما لجاج في أجرة الحفرة، فمضى جحا إلى السوق واشترى خشبة بدرهمين، وجاء بها، فسئل عنها، فقال: إن الحفار لا يحفر بأقل من خمسة دراهم، وقد اشترينا هذه الخشبة بدرهمين؛ لنصلبه عليها، ونربح ثلاثة دراهم، ويستريح من ضغطة القبر، ومسألة منكر ونكير"([19]) .

    إن المثال القصصي السابق المتصل بشخصية جحا يقدم دليلا فنيا يختزل ما في واقع الجماعة الإنسانية عموما من النقيضين معا: الفضيلة والرذيلة، أو الحكمة والحمق، أو بتعبير النص القرآني (الفجور والتقوى)، والاثنان معا يسكنان –في الغالب – كل نفس بشرية، باستثناء من ولدت بخلل في العقل، أو أصابها في أثناء مسيرها في العمر، المهم أن الانتصار لأحدهما وجعل الغلبة له هو الذي يحدد هوية هذه الذات في واقعها، وهو الذي يقرر مصير هذا الواقع تبعا لما ستبثه إليه من أفعال قد تتجاوز سياق الزمان والمكان لصاحبها إلى ما بعده، ولعل في الأنبياء ومن نهج نهجهم من المصلحين وأرباب الإنجاز الحضاري أمثلة واضحة على هذه الحال الإيجابية لكل نفس غلبت نوازع الخير على نقيضها، ويؤشر في الوقت نفسه على ما تحظى به هذه النفس من قدرات فاعلة تتيح لها شغل مواقع التوجيه والتأثير في محيطها، بخلاف من وقف موقف المفعول المستسلم لعوامل الهوى والشيطان ونوازع الشر توجهه هي وتقوده إلى حافة أن يهدم بنيانه الذاتي أولا، هذا الهدم الذي قد يمتد من الفرد إلى ما حوله ومن حوله.

    إن الحضور الفني لجحا يشكل نافذة يلج منها الناظر إلى سياق اجتماعي فيه من العوار ما فيه ويستوجب بعد الترويح بالضحك وقوفا إيجابيا متأملا للحل والتغيير، يستغل الراوي الشعبي المقدم له في سبيل هذه الوسيلة تفاصيل من دفتر يوميات شخصية ذات مرجعية تاريخية، في نهج استقرائي ينطلق من الجزئيات (التفاصيل) إلى أحكام يتركها باث الرسالة القصصية لمتابعها؛ فما جحا إلا رمز فني يفرض على من يراه عبر الكلمة الوقوف موقف المقارن بين أفعاله وبينه.

    "النساء المنسوبات إلى التغفيل:

    ريطة الحمقاء:

    فمنهن التي نقضت غزلها، قال مقاتل بن سليمان: هي امرأة من قريش تسمى ريطة بنت كعب، كانت إذا غزلت نقضته... وهي من أهل مكة، وكانت معروفة عند المخاطبين، فعرفوها بصنعتها، ولم يكن لها نظير في فعلها، وكانت متناهية الحمق، تغزل الغزل من الصوف أو القطن، فتحكمه، ثم تأمر خادمها بنقضه، قال بعضهم: كانت تغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن"([20]) .

    حرص المصنف على تقديم صورة متوازنة لفكرة الحمق من خلال الإشارة إلى الشخصيات المتلبسة بها من مذكر ومؤنث دون تطرف في النظرة أو انحياز يقوض فضيلة الموضوعية التي على كل باحث علمي منصف التحلي بها في عمله. إن هذه الحمقاء في المثال السابق تعد بمثابة تفسير لما ورد في قوله تعالى في سياق تحذيري (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا).([21]) إن الهدم بعد البناء رجوع كارثي، وأشكاله متنوعة وكثيرة في حياة البشر عموما، يجدها المتأمل في الكفر بعد الإيمان، في المعصية بعد الطاعة، في الجهل بعد العلم، إن لفظة أنكاث، المعبرة عن الحال تشير إلى هذا الوضع الشائن؛ أي الحل بعد الإحكام([22])، ومن ثم فإن فكرة الحمق والتصاقها بهذه المرأة العربية تعد مرآة فنية يُرى فيها واقع بشري كائن متحرك بين طرفين.

    إن سيرة الإنسان بصفة عامة يمكن إدراكها في حكاية هذه الحمقاء؛ فأزمنة الانحطاط والجمود الحضاري التي مرت عليها أمم العالم على اختلاف ألوانها ولغاتها بعد حالة التوهج والنضج، وتحول المنحنى من الصعود إلى الهبوط كما جرى للجماعة العربية المسلمة – على سبيل المثال - بعد أزمنة القوة والعطاء عبر مستويات عديدة في العصرين الأموي والعباسي وتحديدا بعد القرن الرابع الهجري يعبر تاريخيا عن هذه المرأة الساكنة فنا في مصنف ابن الجوزي، وتعد علامة سلبية على شخصية هابطة تنتقل من الفضيلة إلى النقيصة في زمن سمته المضارع، بالنظر إلى فعلها المذموم الذي كان يتكرر ولم يكن أمرا عارضا في بنيان حياتها، هذا التكرار يتوسع به الرائي متجاوزا فضاء الفرد إلى فضاء المجموع، ومتجاوزا به سياقا عربيا إسلاميا إلى غيره، بالنظر إلى حال الأسرة الإنسانية كلها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

    وبناء على ما تم إيراده من نصوص من كتاب ابن الجوزي يتبين ما للكتاب من قيمة تاريخية على مستوى الفكرة، وقبلها ما يتمتع به من قيمة فنية على مستوى الصياغة الشكلية التي تتفق – إلى حد كبير – ومنهجية التأليف التي كانت سائدة في عصره؛ إذ هو حلقة في سلسلة إذا ما تم النظر إلى المصنفات النثرية التراثية القائمة على الحكاية، والكتاب في ظاهره وسيلة للتسلية، لكنه يحمل في أعماقه رسالة ذات أهمية بالوقوف على منطقة القبح في المكون الإنساني التي يتوجه إليها المصنف بقلمه، والتركيز على هذه المنطقة ينسجم ونظرة لها مكانها في مذهب الواقعية الذي خرج إلى بيئتنا الثقافية حديثا، ويتعامل مع جانب المأساة في حياة العنصر الإنساني، التناول التراثي لها لا يأتي منطلقا من نزعة تشاؤمية ملؤها الحزن، لكنه عند ابن الجوزي يظهر من بوابة الترويح بعد حظات الجد، هذا الترويح - الذي لا يعني العبث غير المفهوم، الذي يتطلب ذاتا قارئة تمتلك الصبر والأدوات اللازمة لفك طلاسمه – ليس قضاء للوقت بطريقة سلبية، ولكنه إفادة وتعلم، في اتساق واضح مع الغاية التي يجب أن يحوزها كل عمل أدبي يرجو بقاء في أرض الناس؛ ألا وهو تحقيقه لمتطلبات المتعة، بحسن صياغته وما ينبني منه من لفظة وعبارة ترقي النفس وتهذب الطبع، والمنفعة - بالنظر إلى ما يحمله من قضايا - التي بها يُرجى أن تعرج النفس من درجة إلى ما هو أفضل منها.

    المصدر

    [RIGHT][COLOR="DarkGreen"][SIZE="5"][FONT="Traditional Arabic"]

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3

      [1] - انظر: د. عزت قرني، أصول الفن، من ص348 إلى ص351، طبعة 2016م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

      [2] - سورة البقرة: الآية 119.

      [3] - سورة الكهف: من الآية 56.

      [4] - انظر: تيري إيجلتون، النقد والأيديولوجية، ترجمة: فخري صالح، ص84، 85، الطبعة الأولى، 2005م، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة .

      [5] - انظر: د.محمد مندور، الأدب ومذاهبه، من ص91 إلى ص94، طبعة نهضة مصر بالقاهرة، دون تاريخ.

      [6] - سورة الشمس: الآيات، 7، 8، 9.

      [7] - ابن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفلين، ص1-4، الموسوعة الشعرية الإلكترونية، ركن المكتبة، إصدار 2003م، المجمع الثقافي العربي، دولة الإمارات العربية المتحدة.

      [8] - انظر: د.عائشة عبد الرحمن، قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر، ص231-235، الطبعة الثانية، دون تاريخ، دار المعارف بالقاهرة.

      [9] - السابق، ص9.

      [10] - انظر: السابق، ص12-13.

      [11] - انظر: يوسف الشاروني، القصة تطورا وتمردا، ص48-52، الطبعة الثانية، 2001م، مركز الحضارة العربية، القاهرة.

      [12] - ابن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفلين، ص14- 15.

      [13] - انظر: السابق، ص20- 22.

      [14] - السابق، ص40.

      [15] - انظر: السابق، من ص44 -47.

      [16] - السابق، ص47- 49.

      [17] - السابق، ص49- 50.

      [18] - سورة البقرة: من الآية 30.

      [19] - ابن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفلين، من ص54-57. وقد مهد ابن الجوزي لحديثه عن جحا بما يشير إلى أنه قد روي عنه ما يدل على فطنة وذكاء، وأن ما قيل عنه مكذوب عليه؛ فقد وضع له بعض من كان يعاديه حكايات فيها افتراء عليه. انظر: السابق: ص54.

      [20] - ابن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفلين، ص83- 85.

      [21] - سورة النحل: من الآية 92.

      [22] - انظر: السيوطي، تفسير الجلالين، سورة النحل، الآية 92، الطبعة الأولى، 1416هـ، 1996م، دار الحديث، القاهرة.

      تعليق

      يعمل...