الرؤية التراثية العربية للواقعية قراءة في كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي"
أ.د.أحمد يحيى علي
أ.د.أحمد يحيى علي
إن اللغة بوصفها أداة للتعبير والتمثيل؛ أي تمثيل ما في العالم من أشياء (بشرية وغير بشرية)، وما يقع فيه من حوادث في سياقات لغوية حافظة لها بالنظر إلى ظرفها الزماني وبيئتها المكانية وسياقها الثقافي هي بمثابة دليل كاشف يهتدي به الآتي بعد في ظل لحظته التاريخية التي يحياها، وعلاقته بمحيطه الجمعي الذي يأوي إليه، وهذه المرآة المسماة لغة تتيح للرائي تحصيل تجارب عبر القراءة، وصياغة رؤى إزاء ما يقع في عالمه تبعا لتشابه المواقف بين اللاحق والسابق عليه([1])؛ فتجارب البشر وإن كانت لا تتكرر بشكل حرفي، لكن فيها من مقومات التماثل ما يتيح لكل جيل إدراك ما تحمله من دروس وعظات مفيدة في معالجة ما في اللحظة الراهنة من أحوال.
وفي النص القرآني الذي نزل ليكون مخاطبا وهاديا لأمة آخر الزمان ما في القصص المتصلة بسير الأولين ما يواكب القصد الإلهي من مسألة البعثة والرسالة، وينسجم مع هذه المسلمة الحيوية كقوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم)([2]) وقوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)([3]) فمقتضيات الدعوة تقتضي التحذير/الإنذار للمخالفين الرافضين بتذكيرهم بما أصاب مَنْ قبلهم.
واختيار الفكرة مراد اهتمام الكاتب يخضع لعوامل عدة، منها: قناعاته وما يؤمن به، واحتياجات الواقع الذي يعيش فيه؛ بوصف المكتوب رد فعل لواقع يحياه صاحبه، ويرى فيه من الفعل ما يستوجب من وجهة نظره تناولا بالقلم يخدم غايات يريد تحقيقها من خلاله([4])، وتكوين النفس البشرية القائم على ثنائية (الخير والشر)، (الإيجاب والسلب)، (الجمال والقبح)؛ يعد الإطار الذي ينضوي تحته كل مواقف البشر عبر مسارهم الزمني الممتد وحتى انتهاء الدنيا.
وتأتي كتابات أهل العلم على اختلاف مشاربهم عاكسة – كلٌّ في بابه – هذا التكوين، وتماشيا بشكل واعً مقصود أو غير واعٍ مع منهج الدعوة المتبع من قبل الرسل المبعوثين.
وفي حقل الفلسفة – على سبيل المثال – ظهر ما يسمى بمذهب المثالية، ومذهب الواقعية، وكلاهما يتعامل مع واقع الذات الإنسانية على الأرض بمنظور مختلف مناقض للآخر؛ فبينما تنظر المثالية إلى الحياة بوصفها سعادة ونعمة لمن فيها، نجد الواقعية التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تتعامل معها بوصفها شرا ووبالا ونقمة ([5])، ولكل منهما بالطبع حيثياته ومبرراته، لكنّ الاثنين في نهاية المطاف لا يخرجان عن حال النفس البشرية عموما المتنقل بين نقيضين، كلاهما يعبر عن هويتها بدقة؛ بوصفها حاملا لملاك داخلها ولشيطان يتنازعانها، ويظهر أثر عملهما في عمليات البناء والإنجاز والحضارة في مقابل مواقف الصراع والهدم والتدمير التي لا تخلو الأرض من الاثنين معًا (البناء والهدم)، ولن تخلو حتى لحظات النهاية بالنسبة إلى عمر الدنيا.
وابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي بن محمد 508هـ -597هـ) يقدم لنا مصنفات تعكس رؤية واقعية لها جذور بالطبع في تراثنا تتضمن موقفا من سياق اجتماعي يموج بما يتكون منه من شرائح بنماذج من البشر، منها ما هو قابل للاتباع والقدوة، ومنها ما هو غير ذلك، في سلسلة متعددة الحلقات، فيها كتابه: "أخبار الظراف والمتماجنين"، وكتابه: "أخبار الأذكياء"، وكتابه موضوع هذه الدراسة: "أخبار الحمقى والمغفلين".
إن ثنائية (الجمال والقبح) يمكن العثور على تشكيل أدبي لها بالنظر إلى هذين المصنفين لابن الجوزي الذي يقع أحدهما موقع الضد من الآخر "أخبار الأذكياء" الذي قُدر له أن يذيع وينتشر مع خروج نقيضه "أخبار الحمقى والمغفلين" إلى النور، وتلك مفارقة؛ فإذا كانت الأشياء تتميز بضدها فإن الذكي الذي يمثل نموذجا للقدوة التي تبني والجديرة بالاتباع يستحضر إلى العقل المتأمل الضد منه؛ ألا وهو القدوة التي تستوجب بقيمها الفكرية وما يترتب عليها من أفعال النفور والمخالفة، هكذا تطرح تجربة ابن الجوزي عبر كتابيه هذين؛ فمنطقة الحكمة في حياة الإنسان تلازمها منطقة أخرى تمثل موطنا للشر والانحراف؛ ألا وهي منطقة الفجور، ولعلنا نجد في قوله تعالى: (ونفْسً وما سوَّاها * فألْهَمَها فُجُورَها وتَقْوَاها * قد أفلح من زَكَّاها * وقدْ خاب مَن دَسَّاها)([6]) ما يعكس هذه الحال.
وابن الجوزي في الصفحات الأولى من كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين" يعرض على قارئه حيثيات الوضع الخاصة بهذا الكتاب، ونقيضه "أخبار الأذكياء" على هذا النحو:
"وبعد فإني لما شرعت في جمع أخبار الأذكياء، وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالا يحتذى؛ لأن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة، آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أشياء:
الأول: أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموا؛ فحثه ذلك على الشكر...
والثاني: أن ذكر المغفلين يحث المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة، إذا كان ذلك داخلا تحت الكسب وعامله فيه الرياضة. وأما إذا كانت الغفلة مجبولة في الطباع فإنها لا تكاد تقبل التغيير.
والثالث: أن يروِّح الإنسان قلبه بالنظر في سير هؤلاء المبخوسين حظوظا يوم القسمة؛ فإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجد، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنظلة: ساعة وساعة. وعن حنظلة الكاتب أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة والنار، وكنا كأن رأينا رأي العين، فخرجت يوما فأتيت أهلي فضحكت معهم فوقع في نفسي شيء، فلقيت أبا بكر، فقلت: إني قد نافقت، قال: وما ذاك؟ قلت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الجنة والنار، فكنا كأن رأينا رأي عين، فأتيت أهلي، فضحكت معهم، فقال أبو بكر: إنا لنفعل ذلك، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ياحنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق، يا حنظلة ساعة وساعة"([7]).
إن ابن الجوزي يطرح من خلال هذه المقدمة التي صدر بها كتابه منظوره للفن ورسالته –عمومًا – التي يجب أن تكون جامعة بين جانبي المنفعة والمتعة معًا([8])؛ فلا نكتفي بواحد دون الآخر، ولا يطغى في الوقت نفسه أحدهما على الآخر، هكذا تقول كلماته هذه ضمنا دون تصريح، وفي سياق حديثه عن العلة فيما تضمنه كتابه وما يتصل به من ترويح بالهزل، وذكره لمواقف منثورة وأشعار، من مثل إيراده أبياتا لأبي فراس الحمداني:
أروح القلب ببعض الهزل *** تجاهلا مني بغير جهــــــــــل
أمزح فيه مزح أهل الفضل *** والمزح أحيانا جلاء العقل([9])
يعلق في وعي القارئ مفردات متنوعة، مثل الواقعية، الأدب التعليمي، والترويح والتسلية، والمتعة، والأدب الساخر. إن الموقع الذي يتخذه الكاتب إزاء ما في عالمه من ظواهر، موقفه منها موقف الرافض يقود إلى هذا الشكل الأدبي الفني المبني على السخرية، ونرى حضورا له في تراثنا العربي – على سبيل المثال – في هذه الشخصية التي تحظى بحضور في أدبنا الشعبي؛ ألا وهي شخصية جحا (أبو الغصن دجين بن ثابت الفزاري)؛ ومن ثم فإن مصنف ابن الجوزي يمثل مفتاحا لباب يمكن للقارئ الولوج منه إلى تلك الشخصية في تراثنا الشعبي، وما صاحبها من مواقف تعكس تجسيدا جماليا دراميا لمثالب وعورات موجودة في سياق واقعي معيش.

تعليق