من عَناصر التّخطيط، أو إن شئتَ من مَظاهرِ الإعدادِ للإجْهازِ على العربيّة الفصحى وقتلِها عَقْدُ ندواتٍ ومؤتَمراتٍ دوليّة ببلادِنا للجهرِ بالقَضاءِ عليْها؛
و يُخصُّ بالذّكرِ ههنا ندوةٌ نظّمتها مؤسسةُ زاكورَة للتربية، استدْعَتْ لَها “لحلّ مُعضلتِنا الوطنيّةِ” ما سمّتْه “بالفعاليات” العلمية والتربوية من الجَزائر
ومصر وإسبانيا وفَرنسا، وزعَمَت المؤسسةُ أنّ النّدوةَ تنخرطُ في إطار تخطيطٍ لغويّ ترسمُه هي لتعليم الصّغارِ ومحو الأمّيّة عن الكبار والتّكوين
المهنيّ لليافعينَ، وأنّ الدّاعي إلى رَسمِ هذه الخطّة العَجيبَة هو التعدّد الثقافيّ واللغوي للمغربِ، وسيتمخّضُ التّخطيطُ عن تصوّرِ لغةٍ هَجينٍ مركّبةٍ
من الفصيحَةِ والعامّيّةِ سَمّتها المؤسّسةُ بالعربيّة المغربيّةِ أو اللّغة العَربيّة الأمّ للمَغارِبَة، فعَلى الخطّة أن ترفَعَ من شأنِ هذه العربيّة المَغربيّة التي
تخلطُ اللسانَ الفصيحَ باللهجةِ العامّيةِ، وأنّ هذه العربيّة الأمّ المغربيّةَ يجبُ أن تصبحَ لغةَ التداوُل والتّواصُل في التعليم والعَدْل، وأنّه يجبُ اختيارُ حُروف
عَربيّة لنسخِ الدّارجَة المغربيّة حتّى تصيرَ لغةً مكتوبةً، أمّا عن تدريسِ الموادّ العلميّة فينبغي العُدولُ في رأي المؤسسةِ “الوصيّ” عن التّعريبِ الجُزئي
والعودَة إلى اللغاتِ الأجنبيّة، بدَعْوى الانخراطِ في سياقِ اللغاتِ الأجنبيّة العالَميّة في الإنتاج العلميّ. وينبغي -لتفعيلِ التوصياتِ – إنشاءُ أكاديميّة
لتقنينِ هذه العربيّة المغربيّة الحديثَةِ تجمعُ بينَ الفصحى والعامّيّة. والغريبُ أنّ المؤسّسةَ تُصدرُ توصياتِها وكأنّها الوصيّ الشرعيّ على مُستقبَل المغربِ
اللغويّ، وتعقدُ ندوَتَها وتستدعي لَها مَن ينسجمُ تصوّرُه مَع مشروعِها، وتُغيّبُ عنها عُلماءَ مَغاربةً كباراً مَعنيّينَ بشأن العربيّة ببلادهِم، وما تَضْييفُها
لِمَن ارتضَت من المُشارِكينَ إلاّ لأنّها تُريدُ التّمكينَ لمشروعِ العامّية المُعرّبَة أو العربيّة المُدرّجَة من دونِ أن يُعكّرَ صفوَ التّوصياتِ غيرِ البريئَة مُعكِّرٌ. ونحن
نعلَم أنّ للعربيّة الفُصحى عُلَماء غُيُراً لا ينبغي مُجاوزتُهم في مثلِ هذه الأحوالِ، وجمعيّاتٍ مُحتَرَمةً للدّفاعِ عن العربيّةِ وحمايتِها ممّن يُريدُ وأدَها، ورأيُ
تلكَ الجمعيّاتِ وأولئكَ العُلَماءِ واللسانيينَ ومشورتُهم لَممّا يَنبغي العضُّ عليْه بالنّواجذ، وإلاّ فإنّ أيّ قَرارٍ سياسيٍّ قد تتّخذُه الدّولةُ العَميقَةُ ثمّ الدولَةُ
السّطحيّةُ، لإنفاذ وصايا المؤسسةِ سيكونُ مُخاطرةً ذاتَ عواقبَ غيرِ محمودَةٍ، وبدايةً لأزمَةٍ مَشهودَةٍ. وليسَت المؤسّسَةُ “الوصيُّ” أوّلَ مَن يَدعو إلى
العامّيةِ وإلباسِها لَبوسَ اللغةِ الرّسميّةِ المكتوبَةِ، فقد سبقَها إلى هذه الدّعوَةِ مُستشرِقونَ وأتباعٌ لهُم من العَربِ، دَعوا إلى إلغاءِ الفُصحى وإحلالِ العامّيّة
محلَّها، بدَعوى صعوبَةِ الفُصحى… وممّا يُذكرُ ههنا على سبيلِ التّمثيلِ والقياسِ، أنّ هذه الدَعوةَ شُنّت على العربيّة في مصر في القرونِ الماضيَة، ودَعا
أصحابُها المصريّينَ إلى تبنّي العامّيّة المصريّةِ وهَجرِ الفُصحى؛ لأنّ تبنّيَها الفُصحى سيحشُرُها مع الدّولِ العربيّة الأخرى بَيْنَما مصرُ فرعونيّةُ الأصل، وهذا
الكلامُ قد يصدقُ على خطابِ المؤسسةِ في المغربِ، ومَن لفّ لَفَّها، ممّن يقولونَ إنّ المغربَ يختلفُ عن الدّول العربيّة في أنّ لهجاتِه وألسنَتَه غيرُ عربيّة
وأنّ تاريخَه مختلفٌ عن تاريخِ العربِ… والغريبُ في خطابِ المؤسسة ومَن شاكَلها أنّ العامّيَةَ المغربيّةَ متأثّرَةٌ تأثّراً شديداً باللغة العربيّة الفَصيحَة، فإذا
حَكَمْنا على الفُصحى بالتّخلّف وهي اللغة النظاميّةُ المُسنَدَةُ بالقَواعدِ وبالرّصيدِ الثقافيّ الضّخم، فكيفَ نسمَحُ للعامّيةِ بأن تحلّ محلَّها، وهي التي
تقتاتُ على مائدةِ الفُصحى، وأن تُواجه العصرَ وتُواكبَ الجَديدَ ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
من كتابي: إتحاف الناظر بنُفاضة الضمائر وعُصارَة الخَواطر ص: 121 [الهامش:1]
منشورات كلية آداب تطوان، ط.1، مارس 2011م
و يُخصُّ بالذّكرِ ههنا ندوةٌ نظّمتها مؤسسةُ زاكورَة للتربية، استدْعَتْ لَها “لحلّ مُعضلتِنا الوطنيّةِ” ما سمّتْه “بالفعاليات” العلمية والتربوية من الجَزائر
ومصر وإسبانيا وفَرنسا، وزعَمَت المؤسسةُ أنّ النّدوةَ تنخرطُ في إطار تخطيطٍ لغويّ ترسمُه هي لتعليم الصّغارِ ومحو الأمّيّة عن الكبار والتّكوين
المهنيّ لليافعينَ، وأنّ الدّاعي إلى رَسمِ هذه الخطّة العَجيبَة هو التعدّد الثقافيّ واللغوي للمغربِ، وسيتمخّضُ التّخطيطُ عن تصوّرِ لغةٍ هَجينٍ مركّبةٍ
من الفصيحَةِ والعامّيّةِ سَمّتها المؤسّسةُ بالعربيّة المغربيّةِ أو اللّغة العَربيّة الأمّ للمَغارِبَة، فعَلى الخطّة أن ترفَعَ من شأنِ هذه العربيّة المَغربيّة التي
تخلطُ اللسانَ الفصيحَ باللهجةِ العامّيةِ، وأنّ هذه العربيّة الأمّ المغربيّةَ يجبُ أن تصبحَ لغةَ التداوُل والتّواصُل في التعليم والعَدْل، وأنّه يجبُ اختيارُ حُروف
عَربيّة لنسخِ الدّارجَة المغربيّة حتّى تصيرَ لغةً مكتوبةً، أمّا عن تدريسِ الموادّ العلميّة فينبغي العُدولُ في رأي المؤسسةِ “الوصيّ” عن التّعريبِ الجُزئي
والعودَة إلى اللغاتِ الأجنبيّة، بدَعْوى الانخراطِ في سياقِ اللغاتِ الأجنبيّة العالَميّة في الإنتاج العلميّ. وينبغي -لتفعيلِ التوصياتِ – إنشاءُ أكاديميّة
لتقنينِ هذه العربيّة المغربيّة الحديثَةِ تجمعُ بينَ الفصحى والعامّيّة. والغريبُ أنّ المؤسّسةَ تُصدرُ توصياتِها وكأنّها الوصيّ الشرعيّ على مُستقبَل المغربِ
اللغويّ، وتعقدُ ندوَتَها وتستدعي لَها مَن ينسجمُ تصوّرُه مَع مشروعِها، وتُغيّبُ عنها عُلماءَ مَغاربةً كباراً مَعنيّينَ بشأن العربيّة ببلادهِم، وما تَضْييفُها
لِمَن ارتضَت من المُشارِكينَ إلاّ لأنّها تُريدُ التّمكينَ لمشروعِ العامّية المُعرّبَة أو العربيّة المُدرّجَة من دونِ أن يُعكّرَ صفوَ التّوصياتِ غيرِ البريئَة مُعكِّرٌ. ونحن
نعلَم أنّ للعربيّة الفُصحى عُلَماء غُيُراً لا ينبغي مُجاوزتُهم في مثلِ هذه الأحوالِ، وجمعيّاتٍ مُحتَرَمةً للدّفاعِ عن العربيّةِ وحمايتِها ممّن يُريدُ وأدَها، ورأيُ
تلكَ الجمعيّاتِ وأولئكَ العُلَماءِ واللسانيينَ ومشورتُهم لَممّا يَنبغي العضُّ عليْه بالنّواجذ، وإلاّ فإنّ أيّ قَرارٍ سياسيٍّ قد تتّخذُه الدّولةُ العَميقَةُ ثمّ الدولَةُ
السّطحيّةُ، لإنفاذ وصايا المؤسسةِ سيكونُ مُخاطرةً ذاتَ عواقبَ غيرِ محمودَةٍ، وبدايةً لأزمَةٍ مَشهودَةٍ. وليسَت المؤسّسَةُ “الوصيُّ” أوّلَ مَن يَدعو إلى
العامّيةِ وإلباسِها لَبوسَ اللغةِ الرّسميّةِ المكتوبَةِ، فقد سبقَها إلى هذه الدّعوَةِ مُستشرِقونَ وأتباعٌ لهُم من العَربِ، دَعوا إلى إلغاءِ الفُصحى وإحلالِ العامّيّة
محلَّها، بدَعوى صعوبَةِ الفُصحى… وممّا يُذكرُ ههنا على سبيلِ التّمثيلِ والقياسِ، أنّ هذه الدَعوةَ شُنّت على العربيّة في مصر في القرونِ الماضيَة، ودَعا
أصحابُها المصريّينَ إلى تبنّي العامّيّة المصريّةِ وهَجرِ الفُصحى؛ لأنّ تبنّيَها الفُصحى سيحشُرُها مع الدّولِ العربيّة الأخرى بَيْنَما مصرُ فرعونيّةُ الأصل، وهذا
الكلامُ قد يصدقُ على خطابِ المؤسسةِ في المغربِ، ومَن لفّ لَفَّها، ممّن يقولونَ إنّ المغربَ يختلفُ عن الدّول العربيّة في أنّ لهجاتِه وألسنَتَه غيرُ عربيّة
وأنّ تاريخَه مختلفٌ عن تاريخِ العربِ… والغريبُ في خطابِ المؤسسة ومَن شاكَلها أنّ العامّيَةَ المغربيّةَ متأثّرَةٌ تأثّراً شديداً باللغة العربيّة الفَصيحَة، فإذا
حَكَمْنا على الفُصحى بالتّخلّف وهي اللغة النظاميّةُ المُسنَدَةُ بالقَواعدِ وبالرّصيدِ الثقافيّ الضّخم، فكيفَ نسمَحُ للعامّيةِ بأن تحلّ محلَّها، وهي التي
تقتاتُ على مائدةِ الفُصحى، وأن تُواجه العصرَ وتُواكبَ الجَديدَ ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
من كتابي: إتحاف الناظر بنُفاضة الضمائر وعُصارَة الخَواطر ص: 121 [الهامش:1]
منشورات كلية آداب تطوان، ط.1، مارس 2011م

تعليق