الأبجدية!

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحمن السليمان
    عضو نشيط
    • Apr 2013
    • 311

    #1

    الأبجدية!


    الأبجدية

    إن المرحلة الثالثة والأخيرة من تاريخ الكتابة هي المرحلة الأبجدية التي سميت هكذا نسبة إلى ترتيب الحروف في الأبجدية الجزيرية الأولى وهي (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ)، وهو الترتيب الذي غيره في العربية أبو الأسود الدؤلي عند تنقيط الحروف إلى الترتيب الحالي، الذي يقال فيه أيضـًا إن الخليل بن أحمد هو الذي صنع ذلك.

    كانت النظرية السائدة أن الأبجدية الفينيقية اشتقت من رسوم الكتابة الهيروغليفية في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، إلا أن اكتشاف أبجدية أقدم منها بخمسة قرون، وهي الأبجدية الأوغاريتية، التي تستعمل أشكالاً مسمارية لا علاقة لها بصور الكتابة الهيروغليفية، ألغى هذا الرأي تمامـًا. فالأوغاريتيون استوحوا أشكال أبجديتهم الأوغاريتية، التي تحتوي على كل الأصوات الجزيرية القديمة (وهي ثمانية/تسعة وعشرون صوتـًا)، من الكتابة المسمارية، ولكننا لا نعرف على وجه التحديد كيف اختزلوا الكتابة المقطعية إلى الكتابة الأبجدية، بينما نستطيع أن نتابع ذلك الاختزال في الأبجدية الفينيقية، حيث قام الفينيقيون باستعمال الصور الدالة على مسميات بعينها (مثلاً: صورة الثور للدلالة على الثور؛ صورة العين للدلالة على العين؛ صورة المربع للدلالة على البيت؛ صورة الموج للدلالة على الماء وهلم جرًا) ليس للدلالة على تلك المسميات، بل للدلالة على الأصوات الأولى لتلك المسميات كما سيتضح أدناه.

    يسمى "الثور" في اللغة الجزيرية الأم: /أَلْفٌ/ ـ بلفظ التنوين تَمِّيمـًا ـ و"البيت": /بَيْتٌ/ و"العين": /عَيْنٌ/ وهلم جرًا.

    في بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأ الفينيقيون يستعملون الصورة الدالة على "الثور" ـ وهي صورة رأس ثور مثلث الشكل بقَرنَيْن وعينَيْن ـ ليس للدلالة على كلمة /أَلْفٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /أَلْفٌ/ فقط، وهو حرف الألف. ثم استعملوا الصورة الدالة على "البيت" ـ وهي صورة مربع ـ ليس للدلالة على كلمة /بيتٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /بيتٌ/ فقط، وهو حرف الباء. ثم استعملوا الصورة الدالة على "العين" ـ وهي صورة العين ـ ليس للدلالة على كلمة /عَينٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /عَينٌ/ فقط، وهو حرف العين، وهكذا دواليك حتى أتوا على أصوات لغتهم، وهي اثنان وعشرون صوتـًا فقط، فجعلوا لكل صوت حرفًا.
    ثم رتب الفينيقيون الأبجدية مبتدئين بحرف الألف ثم الباء ثم الجيم ثم الدال إلى آخر ترتيب أبجد هوز. ونحن لا ندري بالضبط لم رتبوا أبجديتهم هكذا، أي لم بدؤوا بالألف ولم يبدؤوا بغيره؟ وقد يكون لذلك علاقة بالمعتقدات الدينية لقدامى الكنعانيين حيث كان الثور يرمز عندهم إلى كبير آلهتهم بعل. وقد يعني "البيت" للجزيريين ذوي الأصول البدوية لا شيء أكثر من "المعبد" الذي يعبد فيه إلههم، ولكن هذه مجرد تكهنات.

    ثم أخذ الإغريق في أوائل الألف الأول قبل الميلاد الكتابة الأبجدية عن الفينيقيين وحاولوا كتابة لغتهم فيها إلا أنهم اكتشفوا أن الأبجدية الفينيقية لا تحتوي على كل الأصوات اليونانية من جهة (خصوصـًا الحركات)، وأنها تحتوي على أصوات غير موجودة في اللغة اليونانية مثل حروف الحلق من جهة أخرى. فاستعمل اليونانيون حروف الحلق للدلالة على الأحرف الصائتة في اليونانية لأن الأبجديات الجزيرية لم تكن تحتوي على أحرف صائتة فيها، فاستعمل اليونان حرف العين الفينيقي للدلالة على الـ o، وحرف الحاء للدلالة حلى حرف الإيتا (وهيئته في اليونانية: η وهو مثل حرف الـ i ولكنه أكثر مدًا منه) وهلم جرًا. ثم سمى اليونانيون نظام الكتابة التي أخذوها عن الفينيقيين بـἀλφάβητος أو alfabetos، وهي "الألفباء" في العربية. أما الـ Abecedarium في اللاتينية، فهي ترجمة حرفية لـ "أبجدية".

    وللثور وظيفة أخرى تتعلق بالكتابة .. فالثور يفلح الأرض من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين وهلم جرًا. ومن طريقته في فلاحة الأرض اشتقت الكلمة للدلالة على طريقة الأوائل (ومنهم اليونان وعرب الجنوب) في الكتابة، أي من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين، وهي Boustrophedon، من اليونانية (βουστροφηδόν) ومعناها "كفلاحة الثور". إن أكثرية النقوش اليمنية المدونة بخط المسند مكتوبة هكذا "كفلاحة الثور".

    وأخيرًا نشير إلى أن الأبجديات الجزيرية لا تحتوي إلا على حروف ساكنة. إلا أن لثلاثة منها ـ وهي الألف والواو والياء ـ استعمالين اثنين الأول هو استعمالها أحرفًا ساكنة والثاني هو استعمالها أحرف مد للدلالة على الحركات الطويلة. وهذا يعني أن للغة الجزيرية الأم ثلاث حركات فقط ترد قصيرة ويعبر عنها بالفتح والضم والكسر، وطويلة ويعبر عنها بالألف والواو والياء. والعلة في عدم ورود الحركات القصيرة على شكل أحرف كما هو الحال عليه بالنسبة إلى حروف المد، هو القاعدة الجزيرية العامة التي تحول دون ابتداء كلمة جزيرية بحركة أو بحرف ساكن. وإذا عرفنا أن الأبجدية الجزيرية اشتقت من الأصوات الأولى لكلمات جزيرية بعينها كما أبنا أعلاه، فهمنا جيدًا السبب في عدم احتواء الأبجديات الجزيرية أحرفـًا تدل على الحركات الثلاث القصيرة لأن ذلك غير موجود في أوائل كلامهم.

    وعليه:

    1. إن الألفباء في العربية هي ترجمة مستعارة عن اليونانية (ألفابيتوس - ـἀλφάβητος أو alfabetos) التي هي – بدورها – مجرد توصيف أطلقه اليونانيون على نظام الكتابة الأبجدي الذي أخذوه عن الفينقيين والذي يبتدأ بالحرفين ألف وباء.

    2. إن للترتيب الأبجدي قيما عددية ترتيبية، ذلك أن الألف هو رقم 1 والباء هو رقم 2 والجيم هو رقم 3 والدال هو رقم 4 وهلم جرا. أما الترتيب الحالي للأبجدية، الذي فرضته أشكال الحروف وقت تنقيطها على زمان الدؤلي أو الفراهيدي (حروف الباء والتاء والثاء؛ حروف الحاء والخاء والجيم، حرفا الدال والذال الخ)، فقد فقد هذه القيمة العددية الترتيبية. ونحن لا نزال نستعمل الترتيب الأبجدي في ترقيم مقدمات الكتب وترقيم المقالات وبعض ما يراد ترقيمه بغير الأرقام العربية المعتادة.

    3. إن الأبجدية والألفباء مرادفان تاريخيان يؤديان المعنى نفسه بالضبط. أما حروف المباني فهي تسمية توصيفية للأبجدية والألفباء على أساس أن الكلم يبنى منها، وتستعمل كثيرا في مجال علم الصرف.

    ولي عودة إلى هذا الموضوع إن شاء الله.
    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان; الساعة 02-07-2014, 01:06 AM.
    أ. د. عبدالرحمن السليمان
    الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    www.atinternational.org
  • د.عبد الله الأنصاري
    عضو المجمع
    • Jan 2013
    • 83

    #2
    أحسنت أخي سعادة الدكتور عبد الرحمن السليمان وأشكرك على هذا السرد، وهذه المعلومات القيمة نفع الله بعلمك وسدد قلمك.
    وأود التنبيه على أن العرب لم يثبت تاريخيا أنهم أخذوا شيئا عن اليونان، والثابت عند علماء العربية أن العرب أخذوا الخط عن الفينيقيين، وقال بعضهم بل عن السريانيين لأن السريانية هي لغة إبراهيم عليه السلام التي تطورت إلى العبرانية فيما بعد، والعرب من ذرية إبراهيم، أوأن الفينيقيين أخذوها عنهم ثم أخذها العرب عن الفينيقيين، أقوال.
    ولكن المهم أن نعلم أن السريانيين والفينيقيين هم والعرب أصل واحد، حتى إن بعض مؤرخي العرب يسمون الفينيقيين والكلدانيين والآراميين (وهؤلاء من السريانيين): العرب البائدة، ذكر ذلك الطبري والمسعودي وغيرهما.
    وأما اليونانيون فلم يثبت أن العرب نقلوا منهم شيئا إلا فيما يزعمه بعض الغربيين الذين يحاولون تحريف الثقافة العربية وتفريعها عن أصول يونانية.
    ومصطلح الألفبائية مشتق لفظا من ألف، باء .....وهذا ظاهر. ولنا في المسألة مقالة نشرت قبل مع غيرها، ولا أدري لم لا أراها الآن في صفحات المجمع، ومن المناسب أن تكون مقالات كل موضوع في مكان واحد لأجل الاستفادة.
    وأكرر شكري لأخي سعادة الدكتور عبد الرحمن السليمان.
    عبد الله الأنصاري.

    تعليق

    • عبدالرحمن السليمان
      عضو نشيط
      • Apr 2013
      • 311

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة د.عبد الله الأنصاري
      أحسنت أخي سعادة الدكتور عبد الرحمن السليمان وأشكرك على هذا السرد، وهذه المعلومات القيمة نفع الله بعلمك وسدد قلمك.
      وأود التنبيه على أن العرب لم يثبت تاريخيا أنهم أخذوا شيئا عن اليونان، والثابت عند علماء العربية أن العرب أخذوا الخط عن الفينيقيين، وقال بعضهم بل عن السريانيين لأن السريانية هي لغة إبراهيم عليه السلام التي تطورت إلى العبرانية فيما بعد، والعرب من ذرية إبراهيم، أوأن الفينيقيين أخذوها عنهم ثم أخذها العرب عن الفينيقيين، أقوال.
      ولكن المهم أن نعلم أن السريانيين والفينيقيين هم والعرب أصل واحد، حتى إن بعض مؤرخي العرب يسمون الفينيقيين والكلدانيين والآراميين (وهؤلاء من السريانيين): العرب البائدة، ذكر ذلك الطبري والمسعودي وغيرهما.
      وأما اليونانيون فلم يثبت أن العرب نقلوا منهم شيئا إلا فيما يزعمه بعض الغربيين الذين يحاولون تحريف الثقافة العربية وتفريعها عن أصول يونانية.
      ومصطلح الألفبائية مشتق لفظا من ألف، باء .....وهذا ظاهر. ولنا في المسألة مقالة نشرت قبل مع غيرها، ولا أدري لم لا أراها الآن في صفحات المجمع، ومن المناسب أن تكون مقالات كل موضوع في مكان واحد لأجل الاستفادة.
      وأكرر شكري لأخي سعادة الدكتور عبد الرحمن السليمان.
      عبد الله الأنصاري.

      أحسن الله إليك أخي سعادة الدكتور عبدالله الأنصاري، وشكر لك هذا التعليق القيم.

      في الحقيقة: لم أعثر على دليل أن (الألفبائية) في العربية ترجمة مستعارة عن (ألفابيتوس - ـἀλφάβητος أو alfabetos) التي هي – بدورها – مجرد توصيف أطلقه اليونانيون على نظام الكتابة الأبجدي الذي أخذوه عن الفينقيين والذي يبتدأ بالحرفين ألف وباء، فأتراجع عن هذا القول وأسحبه. ولقد أتعبني البحث عن ذلك، وأفتقد، في هذا السياق، كما يفتقد غيري، معجما تأريخيا للغة العربية يؤرخ كلماتها كي نعود إليه بدلا من البحث المضني في كل مرة نحتاج فيها إلى أن نبحث في أصل كلمة ما، وناهيكم بذلك تشتيتا للجهد.

      إن الأبجدية والألفائية والألفباء وحروب المباني وحروف الهجاء وحروف المعجم كلها مرادفات مستعملة للدلالة على نظام الكتابة المكون من حروف محدودة تدل على أصوات محدودة. يسمى هذا النظام بالأبجدية. والأبجدية مرادف دقيق جدا للألفبائية (بدون أي فرق في المعنى مهما دق). والأبجدية هي المرحلة الثالثة والأخيرة من نظام الكتابة الذي بدأ صوريا (3200 قبل الميلاد في سومر) ثم مقطعيا (حوالي 2700 قبل الميلاد في بابل) ثم انتهى بالكتابة الأبجدية التي اخترعها العرب وليس الفينيقيين،ذلك أن الأبجدية الأوغاريتية أقدم من الأبجدية الفينيقية، ويعتقد أن الأوغاريتيين كانوا عربا. ثم إن خط المسند في اليمن يبدو أقدم من الأبجدية الفينيقية وهو ليس مشتقا منها ولا من غيرها، والذين طوروه عرب. وسأعود لبسط الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله. أما الآن فأرى رأي أخي الدكتور أحمد الليثي من أنه لا توجد حاجة إلى وضع مصطلح جديد يدل على مرادف دقيق جد لمصطلح قائم وشائع هو الأبجدية/الألفبائية، ذلك لأن المفهوم (أو: المدلول) الذي يراد التعبير عنه بمصطلح (أو: دالّ) جديد غير موجود.

      ولا شك في أن تاريخ الكتابة المعقد من جهة وغموض خلفية (أبجد) من جهة أخرى، هما اللذان أوحيا لشيخنا الجليل الدكتور عبدالعزيز الحربي ولبعض الزملاء الأكارم فكرة وضع لفظة جديدة تدل على ترتيب الألفبائية العربية كما هي عليه اليوم. لذلك سوف أجتهد في هذه الصفحة - بصفتي متخصصا في اللغات والكتابات القديمة - في تعريف الزملاء والزميلات بالكتابات القديمة كي يطلعوا على تاريخ نشأتها وأنظمتها وآلياتها ليتمكنوا من البت فيها عن علم دقيق بها. إذن غرضي هنا هو إتاحة المعلومة التاريخية بشأن أنظمة الكتابة الجزيرية، وليس البت فيها.

      تحياتي العطرة مع دعائي.
      أ. د. عبدالرحمن السليمان
      الجمعية الدولية لمترجمي العربية
      www.atinternational.org

      تعليق

      يعمل...