الأبجدية
إن المرحلة الثالثة والأخيرة من تاريخ الكتابة هي المرحلة الأبجدية التي سميت هكذا نسبة إلى ترتيب الحروف في الأبجدية الجزيرية الأولى وهي (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ)، وهو الترتيب الذي غيره في العربية أبو الأسود الدؤلي عند تنقيط الحروف إلى الترتيب الحالي، الذي يقال فيه أيضـًا إن الخليل بن أحمد هو الذي صنع ذلك.
كانت النظرية السائدة أن الأبجدية الفينيقية اشتقت من رسوم الكتابة الهيروغليفية في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، إلا أن اكتشاف أبجدية أقدم منها بخمسة قرون، وهي الأبجدية الأوغاريتية، التي تستعمل أشكالاً مسمارية لا علاقة لها بصور الكتابة الهيروغليفية، ألغى هذا الرأي تمامـًا. فالأوغاريتيون استوحوا أشكال أبجديتهم الأوغاريتية، التي تحتوي على كل الأصوات الجزيرية القديمة (وهي ثمانية/تسعة وعشرون صوتـًا)، من الكتابة المسمارية، ولكننا لا نعرف على وجه التحديد كيف اختزلوا الكتابة المقطعية إلى الكتابة الأبجدية، بينما نستطيع أن نتابع ذلك الاختزال في الأبجدية الفينيقية، حيث قام الفينيقيون باستعمال الصور الدالة على مسميات بعينها (مثلاً: صورة الثور للدلالة على الثور؛ صورة العين للدلالة على العين؛ صورة المربع للدلالة على البيت؛ صورة الموج للدلالة على الماء وهلم جرًا) ليس للدلالة على تلك المسميات، بل للدلالة على الأصوات الأولى لتلك المسميات كما سيتضح أدناه.
يسمى "الثور" في اللغة الجزيرية الأم: /أَلْفٌ/ ـ بلفظ التنوين تَمِّيمـًا ـ و"البيت": /بَيْتٌ/ و"العين": /عَيْنٌ/ وهلم جرًا.
في بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأ الفينيقيون يستعملون الصورة الدالة على "الثور" ـ وهي صورة رأس ثور مثلث الشكل بقَرنَيْن وعينَيْن ـ ليس للدلالة على كلمة /أَلْفٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /أَلْفٌ/ فقط، وهو حرف الألف. ثم استعملوا الصورة الدالة على "البيت" ـ وهي صورة مربع ـ ليس للدلالة على كلمة /بيتٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /بيتٌ/ فقط، وهو حرف الباء. ثم استعملوا الصورة الدالة على "العين" ـ وهي صورة العين ـ ليس للدلالة على كلمة /عَينٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /عَينٌ/ فقط، وهو حرف العين، وهكذا دواليك حتى أتوا على أصوات لغتهم، وهي اثنان وعشرون صوتـًا فقط، فجعلوا لكل صوت حرفًا.
ثم رتب الفينيقيون الأبجدية مبتدئين بحرف الألف ثم الباء ثم الجيم ثم الدال إلى آخر ترتيب أبجد هوز. ونحن لا ندري بالضبط لم رتبوا أبجديتهم هكذا، أي لم بدؤوا بالألف ولم يبدؤوا بغيره؟ وقد يكون لذلك علاقة بالمعتقدات الدينية لقدامى الكنعانيين حيث كان الثور يرمز عندهم إلى كبير آلهتهم بعل. وقد يعني "البيت" للجزيريين ذوي الأصول البدوية لا شيء أكثر من "المعبد" الذي يعبد فيه إلههم، ولكن هذه مجرد تكهنات.
ثم أخذ الإغريق في أوائل الألف الأول قبل الميلاد الكتابة الأبجدية عن الفينيقيين وحاولوا كتابة لغتهم فيها إلا أنهم اكتشفوا أن الأبجدية الفينيقية لا تحتوي على كل الأصوات اليونانية من جهة (خصوصـًا الحركات)، وأنها تحتوي على أصوات غير موجودة في اللغة اليونانية مثل حروف الحلق من جهة أخرى. فاستعمل اليونانيون حروف الحلق للدلالة على الأحرف الصائتة في اليونانية لأن الأبجديات الجزيرية لم تكن تحتوي على أحرف صائتة فيها، فاستعمل اليونان حرف العين الفينيقي للدلالة على الـ o، وحرف الحاء للدلالة حلى حرف الإيتا (وهيئته في اليونانية: η وهو مثل حرف الـ i ولكنه أكثر مدًا منه) وهلم جرًا. ثم سمى اليونانيون نظام الكتابة التي أخذوها عن الفينيقيين بـἀλφάβητος أو alfabetos، وهي "الألفباء" في العربية. أما الـ Abecedarium في اللاتينية، فهي ترجمة حرفية لـ "أبجدية".
وللثور وظيفة أخرى تتعلق بالكتابة .. فالثور يفلح الأرض من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين وهلم جرًا. ومن طريقته في فلاحة الأرض اشتقت الكلمة للدلالة على طريقة الأوائل (ومنهم اليونان وعرب الجنوب) في الكتابة، أي من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين، وهي Boustrophedon، من اليونانية (βουστροφηδόν) ومعناها "كفلاحة الثور". إن أكثرية النقوش اليمنية المدونة بخط المسند مكتوبة هكذا "كفلاحة الثور".
وأخيرًا نشير إلى أن الأبجديات الجزيرية لا تحتوي إلا على حروف ساكنة. إلا أن لثلاثة منها ـ وهي الألف والواو والياء ـ استعمالين اثنين الأول هو استعمالها أحرفًا ساكنة والثاني هو استعمالها أحرف مد للدلالة على الحركات الطويلة. وهذا يعني أن للغة الجزيرية الأم ثلاث حركات فقط ترد قصيرة ويعبر عنها بالفتح والضم والكسر، وطويلة ويعبر عنها بالألف والواو والياء. والعلة في عدم ورود الحركات القصيرة على شكل أحرف كما هو الحال عليه بالنسبة إلى حروف المد، هو القاعدة الجزيرية العامة التي تحول دون ابتداء كلمة جزيرية بحركة أو بحرف ساكن. وإذا عرفنا أن الأبجدية الجزيرية اشتقت من الأصوات الأولى لكلمات جزيرية بعينها كما أبنا أعلاه، فهمنا جيدًا السبب في عدم احتواء الأبجديات الجزيرية أحرفـًا تدل على الحركات الثلاث القصيرة لأن ذلك غير موجود في أوائل كلامهم.
وعليه:
1. إن الألفباء في العربية هي ترجمة مستعارة عن اليونانية (ألفابيتوس - ـἀλφάβητος أو alfabetos) التي هي – بدورها – مجرد توصيف أطلقه اليونانيون على نظام الكتابة الأبجدي الذي أخذوه عن الفينقيين والذي يبتدأ بالحرفين ألف وباء.
2. إن للترتيب الأبجدي قيما عددية ترتيبية، ذلك أن الألف هو رقم 1 والباء هو رقم 2 والجيم هو رقم 3 والدال هو رقم 4 وهلم جرا. أما الترتيب الحالي للأبجدية، الذي فرضته أشكال الحروف وقت تنقيطها على زمان الدؤلي أو الفراهيدي (حروف الباء والتاء والثاء؛ حروف الحاء والخاء والجيم، حرفا الدال والذال الخ)، فقد فقد هذه القيمة العددية الترتيبية. ونحن لا نزال نستعمل الترتيب الأبجدي في ترقيم مقدمات الكتب وترقيم المقالات وبعض ما يراد ترقيمه بغير الأرقام العربية المعتادة.
3. إن الأبجدية والألفباء مرادفان تاريخيان يؤديان المعنى نفسه بالضبط. أما حروف المباني فهي تسمية توصيفية للأبجدية والألفباء على أساس أن الكلم يبنى منها، وتستعمل كثيرا في مجال علم الصرف.
ولي عودة إلى هذا الموضوع إن شاء الله.
كانت النظرية السائدة أن الأبجدية الفينيقية اشتقت من رسوم الكتابة الهيروغليفية في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، إلا أن اكتشاف أبجدية أقدم منها بخمسة قرون، وهي الأبجدية الأوغاريتية، التي تستعمل أشكالاً مسمارية لا علاقة لها بصور الكتابة الهيروغليفية، ألغى هذا الرأي تمامـًا. فالأوغاريتيون استوحوا أشكال أبجديتهم الأوغاريتية، التي تحتوي على كل الأصوات الجزيرية القديمة (وهي ثمانية/تسعة وعشرون صوتـًا)، من الكتابة المسمارية، ولكننا لا نعرف على وجه التحديد كيف اختزلوا الكتابة المقطعية إلى الكتابة الأبجدية، بينما نستطيع أن نتابع ذلك الاختزال في الأبجدية الفينيقية، حيث قام الفينيقيون باستعمال الصور الدالة على مسميات بعينها (مثلاً: صورة الثور للدلالة على الثور؛ صورة العين للدلالة على العين؛ صورة المربع للدلالة على البيت؛ صورة الموج للدلالة على الماء وهلم جرًا) ليس للدلالة على تلك المسميات، بل للدلالة على الأصوات الأولى لتلك المسميات كما سيتضح أدناه.
يسمى "الثور" في اللغة الجزيرية الأم: /أَلْفٌ/ ـ بلفظ التنوين تَمِّيمـًا ـ و"البيت": /بَيْتٌ/ و"العين": /عَيْنٌ/ وهلم جرًا.
في بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأ الفينيقيون يستعملون الصورة الدالة على "الثور" ـ وهي صورة رأس ثور مثلث الشكل بقَرنَيْن وعينَيْن ـ ليس للدلالة على كلمة /أَلْفٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /أَلْفٌ/ فقط، وهو حرف الألف. ثم استعملوا الصورة الدالة على "البيت" ـ وهي صورة مربع ـ ليس للدلالة على كلمة /بيتٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /بيتٌ/ فقط، وهو حرف الباء. ثم استعملوا الصورة الدالة على "العين" ـ وهي صورة العين ـ ليس للدلالة على كلمة /عَينٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /عَينٌ/ فقط، وهو حرف العين، وهكذا دواليك حتى أتوا على أصوات لغتهم، وهي اثنان وعشرون صوتـًا فقط، فجعلوا لكل صوت حرفًا.
ثم رتب الفينيقيون الأبجدية مبتدئين بحرف الألف ثم الباء ثم الجيم ثم الدال إلى آخر ترتيب أبجد هوز. ونحن لا ندري بالضبط لم رتبوا أبجديتهم هكذا، أي لم بدؤوا بالألف ولم يبدؤوا بغيره؟ وقد يكون لذلك علاقة بالمعتقدات الدينية لقدامى الكنعانيين حيث كان الثور يرمز عندهم إلى كبير آلهتهم بعل. وقد يعني "البيت" للجزيريين ذوي الأصول البدوية لا شيء أكثر من "المعبد" الذي يعبد فيه إلههم، ولكن هذه مجرد تكهنات.
ثم أخذ الإغريق في أوائل الألف الأول قبل الميلاد الكتابة الأبجدية عن الفينيقيين وحاولوا كتابة لغتهم فيها إلا أنهم اكتشفوا أن الأبجدية الفينيقية لا تحتوي على كل الأصوات اليونانية من جهة (خصوصـًا الحركات)، وأنها تحتوي على أصوات غير موجودة في اللغة اليونانية مثل حروف الحلق من جهة أخرى. فاستعمل اليونانيون حروف الحلق للدلالة على الأحرف الصائتة في اليونانية لأن الأبجديات الجزيرية لم تكن تحتوي على أحرف صائتة فيها، فاستعمل اليونان حرف العين الفينيقي للدلالة على الـ o، وحرف الحاء للدلالة حلى حرف الإيتا (وهيئته في اليونانية: η وهو مثل حرف الـ i ولكنه أكثر مدًا منه) وهلم جرًا. ثم سمى اليونانيون نظام الكتابة التي أخذوها عن الفينيقيين بـἀλφάβητος أو alfabetos، وهي "الألفباء" في العربية. أما الـ Abecedarium في اللاتينية، فهي ترجمة حرفية لـ "أبجدية".
وللثور وظيفة أخرى تتعلق بالكتابة .. فالثور يفلح الأرض من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين وهلم جرًا. ومن طريقته في فلاحة الأرض اشتقت الكلمة للدلالة على طريقة الأوائل (ومنهم اليونان وعرب الجنوب) في الكتابة، أي من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين، وهي Boustrophedon، من اليونانية (βουστροφηδόν) ومعناها "كفلاحة الثور". إن أكثرية النقوش اليمنية المدونة بخط المسند مكتوبة هكذا "كفلاحة الثور".
وأخيرًا نشير إلى أن الأبجديات الجزيرية لا تحتوي إلا على حروف ساكنة. إلا أن لثلاثة منها ـ وهي الألف والواو والياء ـ استعمالين اثنين الأول هو استعمالها أحرفًا ساكنة والثاني هو استعمالها أحرف مد للدلالة على الحركات الطويلة. وهذا يعني أن للغة الجزيرية الأم ثلاث حركات فقط ترد قصيرة ويعبر عنها بالفتح والضم والكسر، وطويلة ويعبر عنها بالألف والواو والياء. والعلة في عدم ورود الحركات القصيرة على شكل أحرف كما هو الحال عليه بالنسبة إلى حروف المد، هو القاعدة الجزيرية العامة التي تحول دون ابتداء كلمة جزيرية بحركة أو بحرف ساكن. وإذا عرفنا أن الأبجدية الجزيرية اشتقت من الأصوات الأولى لكلمات جزيرية بعينها كما أبنا أعلاه، فهمنا جيدًا السبب في عدم احتواء الأبجديات الجزيرية أحرفـًا تدل على الحركات الثلاث القصيرة لأن ذلك غير موجود في أوائل كلامهم.
وعليه:
1. إن الألفباء في العربية هي ترجمة مستعارة عن اليونانية (ألفابيتوس - ـἀλφάβητος أو alfabetos) التي هي – بدورها – مجرد توصيف أطلقه اليونانيون على نظام الكتابة الأبجدي الذي أخذوه عن الفينقيين والذي يبتدأ بالحرفين ألف وباء.
2. إن للترتيب الأبجدي قيما عددية ترتيبية، ذلك أن الألف هو رقم 1 والباء هو رقم 2 والجيم هو رقم 3 والدال هو رقم 4 وهلم جرا. أما الترتيب الحالي للأبجدية، الذي فرضته أشكال الحروف وقت تنقيطها على زمان الدؤلي أو الفراهيدي (حروف الباء والتاء والثاء؛ حروف الحاء والخاء والجيم، حرفا الدال والذال الخ)، فقد فقد هذه القيمة العددية الترتيبية. ونحن لا نزال نستعمل الترتيب الأبجدي في ترقيم مقدمات الكتب وترقيم المقالات وبعض ما يراد ترقيمه بغير الأرقام العربية المعتادة.
3. إن الأبجدية والألفباء مرادفان تاريخيان يؤديان المعنى نفسه بالضبط. أما حروف المباني فهي تسمية توصيفية للأبجدية والألفباء على أساس أن الكلم يبنى منها، وتستعمل كثيرا في مجال علم الصرف.
ولي عودة إلى هذا الموضوع إن شاء الله.

تعليق