اللغة العربية .. بين السهولة والصعوبة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • قطرب العربية
    مشرف
    • Feb 2015
    • 49

    #1

    اللغة العربية .. بين السهولة والصعوبة

    كتيرا مانسمع من متعلمي اللغات سواء الأجنبية أو حتى اللغات الأم أن هذه اللغة سهلة .. وتلك لغة صعبة .. فكيف يتم تحديد مدى السهولة أو الصعوبة ؟ وما المعيار المستخدم لتحديد هذا المدى ؟ وتكون اللغة سهلة أو صعبة بالنسبة لمن ؟ وما خصائص هذه اللغة التي تُوصف بالسهولة أو الصعوبة ؟ وفي أي مهارة تحديدا تكمن الصعوبة أو السهولة وفي أية بيئة أو مجتمع تُستخدم ؟ وما الدافع لتعلُّمها ؟ وما قُدرات المتعلِّم ؟ وما الاحتياجات الفعلية له ؟ وما اتجاهاته ؟ وما الهدف من تعلُّمها ؟ وما المحتوى اللغوي والسِّياق الثقافي الذي تعلَّم من خلاله ؟ وكيف تعلَّم ؟ وكيف تقوَّم ؟
    ... العديد من الأسئلة والقضايا التي ينبغي وضعها في الاعتبار عند إطلاق مثل هذا الحكم .
    فإلى أي حد تبدو اللغة العربية صعبة التعلُّم ؟ يرى بعض مُتعلِّمي اللغة العربية غير الناطقين بها أنها لغة صعبة جدا ، بل مُعقدة ويُرجِعون ذلك إلى طبيعتها ذاتها ، فإذا أراد الأجنبي التمكن من مهاراتها عليه الرجوع إلى تُراث ضخم بين القديم والحديث . كما ينبغي عليه الرجوع إلى أصواتها ومفرداتها وتراكيبها ونحوها وصرفها ... إلخ .
    لكن حقيقة الأمر أنه عند تعلُّم أية لغة أجنبية لابد من الأخذ في الاعتبار أنَّ اللغة المراد تعلُّمها لغة مثل سائر لغات البشر ، ولها خصائصها التي تتشابه فيها مع اللغات الأخرى ، وأنَّ لها أيضا من الخصائص ما يميزها ، ويجعلها لغة اللسان العربي المبين .
    ومما لاشكَّ فيه أنَّ أوجه الشبه بين لغات البشر المتنوعة تساعد في عملية تعلُّم اللغات الأجنبية بشكل واضح . ويعتمد هذا التشابه على مجموعة من المنطلقات أجمع عليها اللغويون ، من أهمها :
    1- أنَّ الطفل قادر على اكتساب أية لغة إنسانية من لغات البشر المتنوعة بيسر وسهولة بالغين ، بل إنه يكتسب اللغة بأنظمتها المعتمدة في فترة قصيرة نسبيا - لاتزيد عن أربعة أعوام - . ويمكن ملاحظة ماهو أبعد من ذلك ، فقد تجد طفلا ثُنائي اللغة ، أو ثلاثي اللغة . وهناك نماذج كثيرة في التاريخ الإنساني لأطفال سيطروا على أكثر من ثلاث لغات وهم مايزالون في طور الطفولة . وهذا يُؤكد القُدرة الكبيرة التي منحها الله - سبحانه وتعالى - للإنسان في هذه المرحلة المُبكِّرة من العمر .
    2- إنَّ لغات البشر متشابهة ؛ لأن البشر الذين يتحدَّثون بها متشابهون في إدراكهم لما يُحيط بهم ، إنَّهم يُدرِكون العالم المادي المحيط بهم بطرائق مُتشابهة في جوهرها . ومما يُؤكد ذلك ترجمة أي نص من لغة إلى أخرى ، ووجود من يقرأ ، ومن يفهم وينقد .
    3- يستخدم البشر جميعا عند الحديث جهازا واحدا ، موحدا في مكوناته ، وهو مايُطلق عليه أعضاء النطق . وهذا الجهاز موجود عند كافة البشر .
    4- توجد لغة أينما وُجد الإنسان في جماعة إنسانية .
    5- ليس في العالم لغات بسيطة أو بدائية ؛ فكل اللغات متساوية في قدرتها على التطور ، وفي قدرتها على التعبير عن أي مفهوم في العالم . ومعجم أية لغة قادر على أن يتَّسع ليضم كلمات جديدة تُعبِّر عن مفاهيم جديدة .
    6- كل اللغات تتغير بمرور الزمن . وعلى هذا قد يقع التغير في المعنى .
    7- كل اللغات المألوفة تستخدم الأصوات في التعبير عن المعنى ، والعلاقات التي بين الأصوات والمعاني هي في معظمها اعتباطية .
    8- كل اللغات المألوفة تستخدم عددا محدودا من الأصوات تتمثل في الحروف الساكنة والمتحركة أو الصوامت والصوائت ، يشتق منها عدد أكبر من الأصوات الكلية تتمثل في Morphemes وهذه العناصر تتضام لتؤلف الكلمات والجمل .
    9- تتضمن قواعد اللغة قواعد صوتية وصرفية ونحوية من نوع متشابه .
    10- تتضمن اللغات أنماطا نحوية متشابهة على سبيل المثال : تنحصر التراكيب الأصولية للغات البشر في ثلاثة نُظم رئيسة ، هي :
    فاعل -- فعل -- مفعول
    O -- V -- S
    Object -- Verb -- Subject
    أو فعل -- فاعل -- مفعول ، أو فاعل -- مفعول به -- فعل .
    11- في لغات العالم مفاهيم معنوية عالمية ، مثل : الحرية - التسامح - السلام .. إلخ
    12- كل المتحدثين باللغات الإنسانية قادرون على تأليف أعداد لاحصر لها من الجمل وفهمها .
    13- أي طفل أينما وُجد في أي جزء من العالم ، ومهما كان جنسه أو بيئته أو وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي قادر على تعلُّم أية لغة من لغات البشر قدر له أن يعيش بين أبنائها . كما أن الأطفال يمرون بمراحل النمو نفسها ، مثل مرحلة الأصوات قبل اللغوية ، فمرحلة الكلمات الخاصة .. إلخ .

    هذا بالإضافة إلى ما أشار إليه اللغويان فرومكين ورودمان من أنه يوجد أوجه تشابه أخرى تشترك فيها معظم أو أغلب لغات البشر . وهذه العناصر كثيرة منها :
    1/ تنزع اللغة إلى أن تشمل صوتا واحدا أنفيا على الأقل ، والغالب أن يكون (n) = (ن) ويمكن أن تتضمن صوت (m) = (م) .
    2/ إذا ماكان في اللغة أصوات احتكاكية فالغالب يكون من بينها صوت (s) = (س) .
    3/ في معظم اللغات يتقدَّم الفاعل على المفعول . ماعدا لغات قليلة تفضل تقديم المفعول على الفاعل مثل :اللغة المالاجاشية كما في : فعل + مفعول به + فاعل . أو إحدى لغات أستراليا مثل : مفعول به + فاعل + فعل .
    4/ غالبا ماتتضمن اللغات كلمات تحدد بعض المعاني المتقابلة . ومن ذلك الثنائيات الآتية : شاب Young × عجوز Old ، طويل Long × قصير Short ، حي Alive × ميت Dead .. إلخ .
    5/ تستخدم اللغات التي تنتمي إلى أصل مشترك عددا كبيرا من المفردات المتشابهة في الشكل والمعنى . مثل مجموعة اللغات الجرمانية :
    الألمانية --- الإنجليزية
    Mother --- Mutter
    Brother --- Bruder
    ومن الملاحظ أن علماء اللغة لايعتمدون - في مسألة التشابه بين اللغات - على المفردات ، وربما يرجع ذلك إلى عملية حرية الانتقال بين مفردات اللغات بعضها عن بعض ، متخطية الحدود الجغرافية واللغوية ، حيث تنتقل معها أشكال الثقافة وأنماطها .
    مثال : انتقلت كلمة ديوان : المسك من الفارسية إلى العربية .
    وكذلك نجد بعض المفردات المتقاربة صوتا ومعنى بين العربية والإنجليزية .
    وعلى سبيل المثال :
    Cipher : وتعني باللغة العربية الصفر .
    Caliph: وتعني باللغة العربية الخليفة .
    Algebra: وتعني باللغة العربية الجبر .
    وقد أكد علماء اللغة على أنَّ اللغة التي تعيش بمعزل عن اللغات الأخرى تموت . فلا حياة للغة تعيش بمعزل عن سائر اللغات .
    مما سبق يمكن ملاحظة أن الصعوبة الحقيقية في تعليم اللغة العربية وتعلُّمها لايكمن في طبيعتها - كما قال البعض - فاللغة في حد ذاتها بعيدة كل البعد عن هذه الادعاءات لأسباب كثيرة ، منها :
    1- إن العربية لغة مثل سائر اللغات لها خصائصها التي تميزها عن غيرها من اللغات ، ولها من الخصائص التي تشترك فيها مع اللغات الأخرى . وليس معنى وجود خصائص لها تنفرد بها أنها مصدر صعوبتها . فقد تسمع أنَّ هناك العديد من الصعوبات في أصوات اللغة العربية ونظامه . فقد يحدث خلط بين أصوات (ت - د) أو ( ذ - ز) .. إلخ من الأصوات .
    إلا أنه يمكن الرد على ذلك بأن معظم هذه الأصوات موجودة في العديد من اللغات الأخرى سواء اللغات السامية أو اللغات الهند أوروبية .
    ألا يوجد في الإنجليزية الخلط بين T + D ؟ وبالرغم من ذلك نسمع عن مشكلة بهذا الحجم . وقد توجد أصوات غير موجودة في معظم اللغات الأخرى ، مثل : ط - خ - ض - ق - غ .. إلخ وعندما نستمع إلى اللغة الألمانية نلاحظ توافر صوتي : خ + ش ، ونستمع إلى صوت الراء ملتحما مع الغين في الفرنسية ، وسبقت الإشارة إلى أن الجهاز النطقي عند الإنسان مصمم بحيث ينطق أصوات العربية بشكل سليم . وهذا الجهاز واحد عند كافة أجناس البشر ، كما أشار تشومسكي في نظريته عن اللغة فأين المشكلة في هذه الأصوات
    2- إن الصعوبة الحقيقية تكمن في (الغربة) أو عدم ألفة أصوات اللغة العربية (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأَرضِ وَاخْتِلافُ ألْسِنَتِكُم وألْوَانِكُكم ..) 22 الرُّوم . فلحكمة ما جعل الله الألسنة مختلفة متابينة . ومع ذلك فقد خلق الله سبحانه وتعالى الجهاز النطقي لدى الإنسان قادرا على إصدار كل الأصوات . أما عن تلك الصعوبات التي يجدها ، ويُصادفها كل إنسان في إصدار بعض الأصوات غير الموجودة في لغة الأم ، إنما مصدرها عدم التعود والتدريب على إصدارها . وهذا ماتمت مناقشته تفصيلا في الفصل الأول من هذا الكتاب تحت عنوان (كيف تفسد الملكة ؟) .
    إنَّ عدم الاستخدام الصحيح ، في أغلب الأحيان للأصوات العربية وألفاظها يجعلها لغة غريبة لا تألفها الأذن ؛ فعلى سبيل المثال : قد نسمع في كثير من الأماكن لفظة (Sorry) للتعبير عن الاعتذار ، أو عن شيء غير مقصود .. فإذا تم استخدام لفظة (معذِرة) مكانها وألفتها الأذن .. تختفي هذه الغربة اللغوية . وهكذا يمكن أن تذوب هذه الغربة على مستوى التراكيب والجملة والفقرة ، وبالتالي على مستوى اللغة ككل .
    3- إنَّ نشر فكرة ( إن اللغة العربية صعبة بطبيعتها) ظلم لها ؛ حيث يؤثر ذلك على تعليمها وتعلُّمها . فهناك من له مصلحة في عدم نشر تعليم اللغة العربية بما تحمله من ثقافة عربية إسلامية .
    4- احترام العديد من المستشرقين غير الناطقين بالعربية لهذه اللغة . ومما يُؤكِّد ذلك مقولة[COLOR="Red"] إرفنج توماس [/COLOR]:( إنَّ اللغة العربية من أعظم اللغات الكلاسيكية في العالم وهي التي احتفظت بحيويتها طيلة عدة قرون ، ولم تمت في أي حقبة ) ، ومقولة رفائيل بيتي :(إنني أشهد أنه من اللغات التسع - التي أعرفها - لا توجد لغة تقدر أن تُعبِّر عن كل مشاعر الإنسان وما بداخله غير العربية ، وليس هناك مجال أن تُقارن به إلا بالموسيقى) .

    إن المشكلة الحقيقية في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها قد تعود إلى :
    (1) ندرة توافر منهج محدد واضح الأهداف ، مع غياب تصور واضح لأسسه الفلسفية والنفسية والثقافية .
    (2) ندرة المواد التعليمية المقدمة للأطفال غير الناطقين بالعربية ، مع قلة استخدام الاستراتيجيات الحديثة المناسبة لهم .
    (3) ندرة توافر المعلم الجيد ، المعَد لغويًّا ، وتربويًّا ، وثقافيًّا .

    من كتاب (تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها) النظرية والتطبيق
    الدكتور/ علي أحمد مدكور
    عميد معهد الدراسات التربوية - جامعة القاهرة
    الدكتورة/ إيمان أحمد هريدي
    معهد الدراسات التربوية - جامعة القاهرة
    التعديل الأخير تم بواسطة شمس; الساعة 02-26-2015, 12:16 PM. سبب آخر: تغيير اللون
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #2
    بارك الله فيكم.

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      اطلعت على السيرة الذاتية للأستاذ الدكتور الباحث / علي أحمد مدكور
      عميد معهد الدراسات التربوية - جامعة القاهرة
      من الموقع الشخصي للأستاذ الدكتور محمد جمال صقر عضو المجمع اللغوي بمكّة -فوجدتها
      تتحدث عن إمام من أيمة اللغة .
      فشكرا لقطرب العربية على الفوائد .

      تعليق

      • قطرب العربية
        مشرف
        • Feb 2015
        • 49

        #4
        أشكرك كثيرا أستاذي الفاضل / عبدالله بن علي على التحقق ، وبالفعل الأستاذ الدكتور علي مدكور - الراحل منذ ثلاثة أشهر - من أعمدة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها .

        تعليق

        • قطرب العربية
          مشرف
          • Feb 2015
          • 49

          #5
          شمس جزاكم الله خيرا وأشكركم على المتابعة

          تعليق

          • شمس
            مشرفة
            • Dec 2014
            • 9082

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة قطرب العربية
            أشكرك كثيرا أستاذي الفاضل / عبدالله بن علي على التحقق ، وبالفعل الأستاذ الدكتور علي مدكور - الراحل منذ ثلاثة أشهر - من أعمدة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها .
            عذرًا أخي قطرب العربية

            ماذا تقصد بـ "الراحل" ؟؟

            تعليق

            يعمل...