بقلم : حمدي أحمد شفيق
قَطْرَةٌ من تِرياق
لغتُنَا العربيةُ العبقريَّةُ الرَّائعةُ انْتُقِصَ من حقِّها كثيراً ، ولا شكَّ أنَّ التمسُّكَ بأصولِها وقواعدِها وثوابتِها له مَرْدُودُهُ على الذَّات والهُويّة .. أحاولُ من خلال هذا المقال أنْ أرسمَ بسمةً على شفاهِ لغتِنا الجميلة و أنْ أزيل شيئاً من بؤسٍ لازمَها طويلاً جرَّاءَ انتهاكاتٍ مشهودة لأصولِها وفروعِها ... يُغْرِيني كثيراً أنْ أقرأَ لكُتَّابٍ مرموقين أو أستمعَ إلى متحدثين مُفَوَّهين لكنَّ الذي ينطقُ به لساني عُقَيْبَ القراءةِ أو الاستماع : يا لَرَوْعَته لولا موضعُ اللَّبِنَة !! وغياُب اللّبنةِ هنا هو غيابُ الضَّبطِ اللّغويّ أو وجودُ أخطاء صرفيةٍ أو نحْويّةٍ أو تعبيرية تقلبُ المعنى رأساً على عقب وقد تشي أحياناً بعكسِ ما أراد الكاتبُ أو المتحدِّث .. وإنْ كانَ مِنْ عُذْرٍ للمتحدث فلا أرى عذراً للكاتب الذي لديهِ الفرصةُ لتنقيحِ كتاباتِهِ وتصحيحِ معالمِ اللّغةِ فيها ،ولا أرى ضيراً أْنْ يعودَ في ذلك إلى أهلِ التخصص إنِ احْتِيجَ إلى ذلك ...
مِنْ هذه الأخطاءِ المنتشرة الاستخدامُ الخاطئ ل [ نَاهِيكَ عن كذا ] فقدْ يقولُ المُحِبُّ لمحبوبهِ مثلاً : لك احترامي ناهيكَ عن حُبِّي ! هو يريدُ لك احترامي فضلاً عن حبي أو إضافةً إلى حُبّي لكنَّ استخدام ناهيك لا يفي بهذا المعنى ، فالعربُ تستخدم ناهيك متبوعةً بالباءِ أوبِمِنْ بمعنى حسْبُك أو يكفيك فتقول : ناهيكَ بِهِ ناصحاً أو ناهيك به مِنْ ناصح يعني يكفيك نصْحُهُ عن غَيْرِه ، فإذا قلتَ لمن تحب : لك احترامي ناهيك عن حبي ، فذلك يعني لك احترامي ولكنْ يكفيك مني الحُبّ .. إذنْ فلا ضرورةَ للاحترام !! وعموماً العربُ لاتستخدمُ ناهيك متبوعةً بِعَنْ ومن ثَمَّ فإنّ الصحيحَ أنْ تقول : لك احترامي فضلاً عن حبي أو إضافةً إلى حُبّي أو زيادةً على حبي وهكذا ....ولو تخَيَلَّنا مثلاً أنّ جُحَا قال يوماً لحمارِهِ أوْصِلْني إلى مُبْتَغَاي ولك مني طعامٌ شهيٌّ نَاهيكَ عن نُورِ عَيْنَيّ !! في هذهِ الحالةِ يكونُ الحمارُ المسكينُ قدْ تعرَّضَ لعمليةِ نَصْبٍ مُحْترِفة لأنَّ المعنى الصحيح لما قالهُ جحا أنّه قدْ يُطْعِم الحمار ولكنْ يكفيِهِ منه نُورُ عَيْنَيه إذنْ فلا حاجةَ للطعام .. فماذا يُفيدُ الحمارُ المغلوبُ على أمرِه من نور عَيْنَي صاحبهِ وبطنُهُ جَائع ؟! إذنْ فهذا خطأٌ أخلاقيٌّ وليس لُغَويَّاً فقط ...
من الأخطاء الشائعةِ كذلك التساؤل :هل يمكنُ استخراجُ بدل فَاقِد لثورة يناير؟ والصحيح أنْ تقول : بدل مفقود لأنّ المفقودَ هو الثورة بينما الفاقدُ هو الشعبُ الذي فقدَها ! فلا يسوغُ أنْ يكونَ المعنى : استخراج بدل للشعب !!
يَحَارُ بعضُ الكتّاب حين يتأخرُّ العددُ عن المعدود في التذكير والتأنيث للعدد حيثُ يُعْرَبُ نعتاً ، فهل نقول : لقد ضاعتْ أهدافُ الثورة الأربعة أو الأربع ؟ ..والصحيح أنّ كلا الأمرين يصحّ وتفسيرُ ذلك يكمنُ في وجودِ تعارض بين قاعدةِ العدد والمعدود والتي يخالف فيها العددُ معدودَهُ تذكيراً أو تأنيثاً ، وقاعدةِ النعت والمنعوت والتي يوافق فيها النعتُ منعوتَهُ تذكيراً وتأنيثاً ،لوجودِ هذا التعارض فإنّهُ يجوزُ اعتبارُ الوجهين ....
من شائعِ الأخطاء كذلك إضافةُ ألِفٍ بعد الواو إلى جمع المذكر السالم في حالة إضافتِهِ مثل أنْ نقول : طالِبُوا مقاعد البرلمان جُلُّهُم من الفلول ! والصحيح القول : طالبُو مقاعدِ البرلمان بدون الألف ذلك لأنّ الألف يُوضعُ بعد واو الجماعة في الأفعال كأنْ نقول : طلبوا أو أنْ يطلبوا أما جمع المذكر السالم إذا أضيف فإنّ نونَهُ تحذف ولا تُتْبَع الواوُ بالألف ...
من الخطأ كذلك القول : من المُلفت للنظر و الصحيح القول من اللّافتِ للنظر حيث أنّ اسمَ الفاعل من لَفَتَ يُصاغ على وزن فاعل لأنّه ثلاثيّ..
وقولهم : حاز على الشهادة والصحيح : حاز الشهادة لأنّ حاز هو فعلٌ متعدٍّ يَنْصِبُ مفعولاً ولا يُتْبَعُ بِعَلَى ...
وكذلك قولُهم : واقعُنَا المُعَاش مُرٌّ ، والصحيح : واقعُنا المَعِيش ، لأنّ اسمَ المفعول من عاش يُصَاغُ على وزن فَعِيل ، ومثلُ ذلك : قائد مُهَاب والصحيح قائدٌ مَهِيب ..
ولا ريبَ أنّ الفهمَ الصحيحَ للغة وقواعدِها وطرقِ استخدامِهَا ومدلولِ الألفاظ أمرٌ حاسمٌ في توصيلِ المُراد بأمانةٍ و حِرْفِيّة ......
جديرٌ بالذكر أنّني كثيراً ما أُلقِي خُطَبَاً ودروساً باللغةِ الإنجليزية ولا أخفيكم سرّاً أنني كثيراً ما يُعْيِيني البحثُ عن ألفاظٍ أو حتى جُمَلٍ كاملة بالإنجليزية للتعبير عن معنى كلمةٍ عربيةٍ واحدة فقد تأتي بجملة أو أكثر حتى تتمكنَ من سَبْرِ غَوْرِ المعنى العربيّ وقد لاتُفلح وذلك واضحٌ في ترجماتِ معاني القرآن الكريم وقد قرأتُ كثيراً من هذه الترجمات وهي مع اجتهادِ المترجمين والمراجعين إلا أنّ أكثرَها تعيبُهُ الرَّكاكةُ وفَقْرُ المعنى وعجْزُهُ عن الإتيانِ بمراد الله تعالى من المعنى القرآنيّ ...
كما أنّ قِلةَ العلم بأسرار اللغة العربية ومُتشابَهِ لفظِها قد يُوقِع كثيراً من المترجمين في أخطاء جوهرية تُعْطِي معانيَ مختلفةً تماماً عن المدلولِ الصحيح على سبيل المثال كتابُ رياض الصالحين للإمام النووي تُوجَد له ترجمةٌ متداولة بين القارئين بالإنجليزية وقد وجدتُ فيها عجباً ، من ذلك مثلا ،حديثُ النبيّ صلى الله عليه وسلم:[ أنا زعيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجنّة لمن ترك المِرَاءَ وإنْ كانَ مُحِقَّاً ...] قام المترجم بترجمة المِرَاء على أنّهُ :
بمعنى الاخْتِيال أو الزَّهو أو الرِّياء لأنه لم يفرِّقْ بين المِرَاء الذي هو الجدالُ العقيم والمُرَاءَاة بمعنى الرِّياء ... ومن أسفٍ أنّ الكتابَ مُتداولٌ من سنوات وبه أخطاء بالجملة على هذه الشَّاكِلة ....
تحيّةُ حُبٍّ وانتماء إلى لغتِنَا الجميلة التي قالتْ عنها المستشرقةُ الألمانية آنا ماري شيمل التي ترجمتِ القرآنَ الكريم إلى الألمانية: اللغةُ العربية لغةٌ موسيقيةٌ للغاية ولا أستطيعُ أنْ أقولَ إلا أنّهَا لابدَ أنْ تكونَ لغةَ أهلِ الجَنّة ..
قَطْرَةٌ من تِرياق
لغتُنَا العربيةُ العبقريَّةُ الرَّائعةُ انْتُقِصَ من حقِّها كثيراً ، ولا شكَّ أنَّ التمسُّكَ بأصولِها وقواعدِها وثوابتِها له مَرْدُودُهُ على الذَّات والهُويّة .. أحاولُ من خلال هذا المقال أنْ أرسمَ بسمةً على شفاهِ لغتِنا الجميلة و أنْ أزيل شيئاً من بؤسٍ لازمَها طويلاً جرَّاءَ انتهاكاتٍ مشهودة لأصولِها وفروعِها ... يُغْرِيني كثيراً أنْ أقرأَ لكُتَّابٍ مرموقين أو أستمعَ إلى متحدثين مُفَوَّهين لكنَّ الذي ينطقُ به لساني عُقَيْبَ القراءةِ أو الاستماع : يا لَرَوْعَته لولا موضعُ اللَّبِنَة !! وغياُب اللّبنةِ هنا هو غيابُ الضَّبطِ اللّغويّ أو وجودُ أخطاء صرفيةٍ أو نحْويّةٍ أو تعبيرية تقلبُ المعنى رأساً على عقب وقد تشي أحياناً بعكسِ ما أراد الكاتبُ أو المتحدِّث .. وإنْ كانَ مِنْ عُذْرٍ للمتحدث فلا أرى عذراً للكاتب الذي لديهِ الفرصةُ لتنقيحِ كتاباتِهِ وتصحيحِ معالمِ اللّغةِ فيها ،ولا أرى ضيراً أْنْ يعودَ في ذلك إلى أهلِ التخصص إنِ احْتِيجَ إلى ذلك ...
مِنْ هذه الأخطاءِ المنتشرة الاستخدامُ الخاطئ ل [ نَاهِيكَ عن كذا ] فقدْ يقولُ المُحِبُّ لمحبوبهِ مثلاً : لك احترامي ناهيكَ عن حُبِّي ! هو يريدُ لك احترامي فضلاً عن حبي أو إضافةً إلى حُبّي لكنَّ استخدام ناهيك لا يفي بهذا المعنى ، فالعربُ تستخدم ناهيك متبوعةً بالباءِ أوبِمِنْ بمعنى حسْبُك أو يكفيك فتقول : ناهيكَ بِهِ ناصحاً أو ناهيك به مِنْ ناصح يعني يكفيك نصْحُهُ عن غَيْرِه ، فإذا قلتَ لمن تحب : لك احترامي ناهيك عن حبي ، فذلك يعني لك احترامي ولكنْ يكفيك مني الحُبّ .. إذنْ فلا ضرورةَ للاحترام !! وعموماً العربُ لاتستخدمُ ناهيك متبوعةً بِعَنْ ومن ثَمَّ فإنّ الصحيحَ أنْ تقول : لك احترامي فضلاً عن حبي أو إضافةً إلى حُبّي أو زيادةً على حبي وهكذا ....ولو تخَيَلَّنا مثلاً أنّ جُحَا قال يوماً لحمارِهِ أوْصِلْني إلى مُبْتَغَاي ولك مني طعامٌ شهيٌّ نَاهيكَ عن نُورِ عَيْنَيّ !! في هذهِ الحالةِ يكونُ الحمارُ المسكينُ قدْ تعرَّضَ لعمليةِ نَصْبٍ مُحْترِفة لأنَّ المعنى الصحيح لما قالهُ جحا أنّه قدْ يُطْعِم الحمار ولكنْ يكفيِهِ منه نُورُ عَيْنَيه إذنْ فلا حاجةَ للطعام .. فماذا يُفيدُ الحمارُ المغلوبُ على أمرِه من نور عَيْنَي صاحبهِ وبطنُهُ جَائع ؟! إذنْ فهذا خطأٌ أخلاقيٌّ وليس لُغَويَّاً فقط ...
من الأخطاء الشائعةِ كذلك التساؤل :هل يمكنُ استخراجُ بدل فَاقِد لثورة يناير؟ والصحيح أنْ تقول : بدل مفقود لأنّ المفقودَ هو الثورة بينما الفاقدُ هو الشعبُ الذي فقدَها ! فلا يسوغُ أنْ يكونَ المعنى : استخراج بدل للشعب !!
يَحَارُ بعضُ الكتّاب حين يتأخرُّ العددُ عن المعدود في التذكير والتأنيث للعدد حيثُ يُعْرَبُ نعتاً ، فهل نقول : لقد ضاعتْ أهدافُ الثورة الأربعة أو الأربع ؟ ..والصحيح أنّ كلا الأمرين يصحّ وتفسيرُ ذلك يكمنُ في وجودِ تعارض بين قاعدةِ العدد والمعدود والتي يخالف فيها العددُ معدودَهُ تذكيراً أو تأنيثاً ، وقاعدةِ النعت والمنعوت والتي يوافق فيها النعتُ منعوتَهُ تذكيراً وتأنيثاً ،لوجودِ هذا التعارض فإنّهُ يجوزُ اعتبارُ الوجهين ....
من شائعِ الأخطاء كذلك إضافةُ ألِفٍ بعد الواو إلى جمع المذكر السالم في حالة إضافتِهِ مثل أنْ نقول : طالِبُوا مقاعد البرلمان جُلُّهُم من الفلول ! والصحيح القول : طالبُو مقاعدِ البرلمان بدون الألف ذلك لأنّ الألف يُوضعُ بعد واو الجماعة في الأفعال كأنْ نقول : طلبوا أو أنْ يطلبوا أما جمع المذكر السالم إذا أضيف فإنّ نونَهُ تحذف ولا تُتْبَع الواوُ بالألف ...
من الخطأ كذلك القول : من المُلفت للنظر و الصحيح القول من اللّافتِ للنظر حيث أنّ اسمَ الفاعل من لَفَتَ يُصاغ على وزن فاعل لأنّه ثلاثيّ..
وقولهم : حاز على الشهادة والصحيح : حاز الشهادة لأنّ حاز هو فعلٌ متعدٍّ يَنْصِبُ مفعولاً ولا يُتْبَعُ بِعَلَى ...
وكذلك قولُهم : واقعُنَا المُعَاش مُرٌّ ، والصحيح : واقعُنا المَعِيش ، لأنّ اسمَ المفعول من عاش يُصَاغُ على وزن فَعِيل ، ومثلُ ذلك : قائد مُهَاب والصحيح قائدٌ مَهِيب ..
ولا ريبَ أنّ الفهمَ الصحيحَ للغة وقواعدِها وطرقِ استخدامِهَا ومدلولِ الألفاظ أمرٌ حاسمٌ في توصيلِ المُراد بأمانةٍ و حِرْفِيّة ......
جديرٌ بالذكر أنّني كثيراً ما أُلقِي خُطَبَاً ودروساً باللغةِ الإنجليزية ولا أخفيكم سرّاً أنني كثيراً ما يُعْيِيني البحثُ عن ألفاظٍ أو حتى جُمَلٍ كاملة بالإنجليزية للتعبير عن معنى كلمةٍ عربيةٍ واحدة فقد تأتي بجملة أو أكثر حتى تتمكنَ من سَبْرِ غَوْرِ المعنى العربيّ وقد لاتُفلح وذلك واضحٌ في ترجماتِ معاني القرآن الكريم وقد قرأتُ كثيراً من هذه الترجمات وهي مع اجتهادِ المترجمين والمراجعين إلا أنّ أكثرَها تعيبُهُ الرَّكاكةُ وفَقْرُ المعنى وعجْزُهُ عن الإتيانِ بمراد الله تعالى من المعنى القرآنيّ ...
كما أنّ قِلةَ العلم بأسرار اللغة العربية ومُتشابَهِ لفظِها قد يُوقِع كثيراً من المترجمين في أخطاء جوهرية تُعْطِي معانيَ مختلفةً تماماً عن المدلولِ الصحيح على سبيل المثال كتابُ رياض الصالحين للإمام النووي تُوجَد له ترجمةٌ متداولة بين القارئين بالإنجليزية وقد وجدتُ فيها عجباً ، من ذلك مثلا ،حديثُ النبيّ صلى الله عليه وسلم:[ أنا زعيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجنّة لمن ترك المِرَاءَ وإنْ كانَ مُحِقَّاً ...] قام المترجم بترجمة المِرَاء على أنّهُ :
بمعنى الاخْتِيال أو الزَّهو أو الرِّياء لأنه لم يفرِّقْ بين المِرَاء الذي هو الجدالُ العقيم والمُرَاءَاة بمعنى الرِّياء ... ومن أسفٍ أنّ الكتابَ مُتداولٌ من سنوات وبه أخطاء بالجملة على هذه الشَّاكِلة ....
تحيّةُ حُبٍّ وانتماء إلى لغتِنَا الجميلة التي قالتْ عنها المستشرقةُ الألمانية آنا ماري شيمل التي ترجمتِ القرآنَ الكريم إلى الألمانية: اللغةُ العربية لغةٌ موسيقيةٌ للغاية ولا أستطيعُ أنْ أقولَ إلا أنّهَا لابدَ أنْ تكونَ لغةَ أهلِ الجَنّة ..

تعليق