القواعد اولا على الكلام الصحيح ثم نضبط بقية الكلام ، ويرد صاحب المنهج بالقول : وما ادراك ما هو الكلام الصحيح وأنت بغير قواعد (13) ؟ .
ويرى المنهج ديناميكية اللغة فيقول : ان اللغة تتغير رغم انف الجميع ، ويذهب مذهبا غريبا لم ادر على أي دليل أقامه هو انه ( لا فائدة من وضع القواعد في اية لغة ) (14) الا في حالة توفر الكلام الصحيح قبل القواعد ،ويذهب المنهج الى ابراز اهمية النضج اللغوي الذي يعكس مدى النضج الاجتماعي فيقول : ( ان الكلام الصحيح هو اهم كلام مميزه للوعي الاجتماعي على الإطلاق ) ( 15) وهذا فهم له مديات متعددة هي :
1. انعكاس اللغة ( السلوك اللغوي ) على السلوك الاجتماعي .
2. انعكاس النضج العقلي على النضج اللغوي .
3. أهمية قيام النظم اللغوية المؤتلفة لتحقيق قيام جماعة اجتماعية مؤتلفة أيضا .
ويرى المنهج ان قواعد القران النحوية قائمة فهو لا يحتاج إلى قواعد خارجية تبنى على أساس التقدير ، والتأويل ، والتبديل ، وهنا يفترض المنهج اعتراضا فحواه ان القران لم يحو كل التراكيب الصحيحة التي يحتمل ان ترد ، فيجيب المنهج ان التراكيب ما دامت صحيحة فلا حاجة الى قواعد ، او ما الداعي الى القواعد ؟ لانه لا يعلم كونها صحيحة الا كونها وليدة قواعد ( 16) .
وقد ذهب الاستقراء الذي تبناه المنهج الى وجود أكثر من عشرين قاعدة نحوية خاصة بالقران وحده ، مما يؤشر وجود ما يعرف بـ( نظرية النحو القرآني ) التي يقوم بذاتها وليس بالاعتماد على ما صاغه النحاة و تمحلوا فيه .
ويبدو ان المنهج اللفظي قد ضاق ذرعا بالتراث النحوي الذي لم يعثر فيه الا على التناقض والاضطراب والإرباك فيقول :( لقد تهرأت عقولنا من ذلك النظم الفلسفي والشعري والفقهي الذي صار يجسد صنمية جديدة في الدين والفلسفة والأدب ) ( 17) ، كذلك يرى المنهج ان كتابا هذه صفاته لا يمكن ان يكون محكوما باية قواعد نحوية كائنا من كان واضعها ، إذ هل يضع الكيميائي صيغ التفاعلات ومقاديرها فتخضع له العناصر وتنفذ هي ما يريد أم انه يلاحظ ما تفعل (18) وهذا قياس حسن على إبراز عدم دقة ما قدمه النحاة الأوائل من منجز لغوي ابتداء من التقعيد المستند على الاستقراء الجزئي وصولا الى تضييق المساحة الزمنية والجغرافية لاخذ الكلام الذي تستنبط منه الأحكام والقواعد النحوية .
وبعد هذا يأتي البحث على إيراد بعض التطبيقات النحوية العملية للقواعد النحوية التي نقضها المنهج اللفظي ورأي فيها رأيا آخر يزيل ما استقر من خلاف حول تلك الأنماط التركيبية ،ويقول صاحب المنهج اللفظي بصدد هذه القواعد إن ( بعضها نقض ، وبعضها لم ينقض وعند عرضها على النظام القرآني تنهار هي والقواعد الناقضة من اول خطوة ) ( 19 ) ومنها :
اولا : عدم جواز تقديم الفاعل .
نص على هذه القاعدة نحاة البصرة ، وساقوا قوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ( 20) وقدروا له فعلا محذوفا فقالوا : التقدير وإن استجارك احد استجارك .
قال صاحب المنهج اللفظي في شأن هذه القاعدة التي وصفها بالمهلهلة ( ان الكوفيين نقضوا هذه القاعدة الا ان لكل من المدرستين أتباع استمر في تقدير التركيب القرآني بغير ما نزل به الوحي في الشروح والتفاسير ؛ فلأجل الخلاص من محنة الشاهد الذي ساقه الكوفيين قدر البصريون الفعل ( استجارك ) مقدمين له على الفاعل ) ( 21) ، ويقول أيضا ( و أصر النحويون على رأيهم هذا برغم الشاهد وقدروا فعلا سابقا على الفاعل ) ويتساءل عن عملية توالي تقدير المحذوفات في التراكيب القرآنية فيقول : ( السؤال الهام هنا اذا جاز التقدير في كل شاهد على هذا النحو فهل تبقى قاعدة ؟ وهل يستمر حوار نحوي يفضي الى نتيجة ) ( 22) . أقول : ان التقديرات التي احترف النحويون براعة إنشائها والتحذلق في تكوينها وصناعتها أحدثت ما لا تحمد عقباه ، وجرت على هذه الأمة من المصائب ما كانت في غنى عنه ، فهم قدروا كلا حسب هواه مما فتح بابا واسعة للقول والتقول في كتاب الله عز وجل أكثره بعيد عن الصواب .
ثانيا : قاعدة مجيء الفاء للترتيب والتعقيب
وشاهد النحاة قول الله تعالى فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ (23) ، وقد نقض الفراء ـ كما يقول صاحب المنهج ـ هذه القاعدة محتجا بشاهد قراني اخر هو قوله تعالى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (24) اذ قال : ان البأس قبل الهلاك ـ وهذا في تقديرهم وتصورهم الفذ ـ لا يعقل ، فهرعوا الى التقدير فقالوا : التقدير : وكم من قرية أردنا إهلاكها ، هنا حل الفعل ( اراد ) ضيفا ثقيلا على التركيب القرآني هو من بدع النحاة و تأويلاتهم السقيمة فيقول صاحب المنهج اللفظي ( اخرج التقدير الجديد الفعل أهلكنا من كونه فعلا ماضيا يفيد وقوع الهلاك الى إرادة لازالت غير متحققة قبل مجيء البأس ) (25) ويسترسل قائلا وواصفا ذلك التقدير بالخطأ ( والتقدير ( أردنا ) الذي أضافوه من مخيلتهم خاطىء والرد عليه خاطىء أيضا والشاهد الذي ساقه الفراء متوهم فيه ايضا ) ( 26 ) ، وما ذلك الا لانه يرى الهلاك ( فعلا بطيء الحركة لانه انهاك حتى الموت وقد استعمل في القران لهذا المعنى وحسب كما ورد في قوله تعالى حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً ( 27) ، وقد ذكر الزجاجي أن ( الفاء تكون عاطفة تدل على ان الثاني بعد الأول بلا مهلة ) (28) ، وهذا رأي احد النحاة الذي تابعه عليه جلهم وقد التبس الأمر عليهم فقالوا ان البأس يسبق الهلاك ، فقدروا أفعالا أقحموها على النظام القرآني جزافا ، والحقيقة ان ذلك ما كان ليكون لو انهم فقهوا دلالة الفعل ( هلك ) كما أشار إليها النظام القرآني المحكم ، وعلى هذا تكون الفاء باقية على أصلها ، ولا حاجة الى تقديرات النحاة التي أضرت كثيرا بمسار الدرس النحوي .
ويشير صاحب المنهج إلى ما كان يدور في حلقات الدرس النحوي قديما من جدال وحوار فيقول : ( وقد كان لتلك المناقشات ان تؤدي الى كشف لأسرار القران ومعجزاته ونظامه لو كانت الغاية معرفة تلك الحقائق بل لو كانت حقا لوضع القواعد ) (29) .
وخلاصة القول ان هذا المنهج يدعو دعوة جادة ورصينة الى إعادة قراءة المدونة النحوية العربية القديمة قراءة فاحصة حديثة ، ولا سيما تلك المتعلقة بالقران تؤهله للنهوض من جديد واخذ مكانته المناسبة بين العلوم ، وإلغاء النظرة التي ما زالت ترى ان ( سيبويه هو البحر ومن ركبه فقد هلك ) لما في ذلم من تصورات لا يخفى أحيانا بعدها عن جوهر اللغة والنظام القرآني ، ووقوعها في دائرة التناقض . ولنا إن شاء الله وقفات مع هذا المنهج .