من صفات الأشياء الملازمة لها حسنها وقبحها، ومن الشائع أنّ مزيّة الحسن والقبح تدرك بالحسّ، أي بالسمع ونطق الكلمات أو الحروف. وتجري الحروف أو الأصوات من السمع مجرى الألوان من البصر، على حدّ عبارة الخفاجيّ في سرّ الصناعة.
ومثلما نتحدّث عن خفّة الحروف وثقلها نتحدّث بالكيفيّة نفسها عن حسنها وقبحها، ومثلما يقسّم النحويّون الحروف أو الأصوات عموما إلى خفيفة وثقيلة، يقسّم البيانيّون أو البلاغيّون الحروف إلى حسنة وقبيحة.
ولا يتعلّق الحسن والقبح بالحروف والأصوات وحدها، وإنّما يتعلّق بائتلافها فيما بينها، وذلك في مستوى الكلمة الواحدة، أو العبارة بأكملها، وفي مستوى اللّغة أو الكلام. ومن هنا يجيء الحديث عن الفصاحة، فصاحة العربيّة في طبيعة حروفها وائتلاف هذه الحروف، وفي حسن أداء هذه الحروف ونطقها من قبل المتكلّم المستمع.
وعليه إنّ للفصاحة شروطَها، وتتمثّل هذه الشروط في وضوح النطق بالحرف، والتمييز بينه وبين غيره من الحروف الأخرى، وعلى أن يُعطى الحرف حقّه من حيث المخرج أو موضع النطق، وأن يتحلّى بالصفات الملازمة له من حيث الجهر والهمس والتفخيم والترقيق والشدّة والرخاوة والقلقلة وغيرها.
إنّ الحسن في تحقّق الحروف والأصوات عموما، والحسن في ائتلافها لا يقف عند حدود الكلمة، وإنّما ينسحب على اللغة عامّة، ما يجعلنا لا نقف عند الفصاحة وحدها، وإنّما لا بدّ من مراعاة الجوانب البلاغيّة أيضا، وهي المتعلّقة أساسا بالنَظم، أي نظم الكلمات فيما بينها، وفق ما تُمليه ضرورة التركيب من حيث المطابقة والتقديم والتأخير والحذف وغيرها، وهذا لا بدّ من مراعاة ما يقتضيه المقام.
وتبعا لهذا فإنّ اللّغة درجات أو مستويات في سلّم الحسن والقبح، وفي مستوى الفصاحة والبلاغة. وهذا يعود ولا شكّ إلى حسن الأداء والاستعمال، والقدرة على انتقاء الألفاظ ومكوّنات هذه الألفاظ، وحسن سبك هذه الألفاظ في تراكيب وعبارات دالّة، يبلغ المتكلّم من ورائها المقصود، وإيصال ما يريد إيصاله.
وكلّ هذا رهين بطبيعة الحال بمدى اكتساب اللغة وامتلاكها، والقدرة على التعبير بها، ومعرفة أغوارها ودقائقها، لأنّ العربيّة بحر لا ساحل له، ولا يمكن امتلاك ناصيتها إلّا بحسن تمثّل كلام العرب ومجاراته، ومعرفة مواضع الحسن والقبح فيه.
والملكة اللّغوية لا تكون بالسليقة كما يُقال، وإنما بالاستيلاء على الملكة بعبارة ابن خلدون. ولا تحصل هذه الملكة للفرد الناطق إلّا بالدُربة والتكرار، وحفظ كلام العرب أو مناويل الكلام عندهم. وليس من المبالغة في شيء أن نقول إنّ أفضل هذه المناويل وأرقاها القرآن الكريم. وهذه المناويل عموما ومواطن الحسن والجمال فيها تُدرك بتهيئة الأذن واللّسان لحسن التقبّل والأداء، ومن ثمّ التدرّب على ما يحسن أداؤه، وتجنّب ما يشين، ويفسد الحسّ والذوق.
وقد يكون هذا الحسّ اللّغويّ أو الذوق في السمع والأداء ملكة تحصل بالممارسة ومعاشرة النصوص الإبداعيّة الجيّدة الجميلة من نثر وشعر، وقد يكون بمعرفة الحروف ومخارجها وصفاتها، والحيّزات التي تتحقّق فيها، ومدى الحسن الناتج من ائتلافها أو اختلافها، ومن مدى تقاربها أو تباعدها، والتدرّج في تحقّقها صعودا أو انحدارا، ومن مدى التوافق في ائتلافها فيما بينها، وما يحسن ائتلافه أو ما لا يحسن، وما يُقبل أو ما لا يقبل، وكلّ ذلك بالنظر إلى طبيعة الحسّ وما يألفه، وبالنظر إلى المشقّة أو الكلفة في أدائه والتقاطه.
وتظلّ اللّغة العربيّة بعد كلّ هذا، ومن هذه الجوانب المشار إليها عند الناشئة اليوم بحاجة إلى دعم وإثبات، ومعرفة مواطن الحسن والجمال فيها، ولا يكون ذلك في اعتقادنا إلّا بالتأكيد والتركيز على حسن اللّغة العربيّة وجمالها، على النحو الذي تتجلّى فيه في أروع نصوصها الأدبيّة، القديمة منها والحديثة أو المعاصرة، ولعلّ أفضل نموذج يمثّلها على الإطلاق، وعلى النحو الذي أشرنا إليه، القرآن الكريم، وذلك بالنظر إلى بلاغته وفصاحته وحسن سبكه أو نظمه، إذ هو مَعين لا ينفذ مبنى ومعنى، وهو سرّ عظيم من أسرار الكون وأسرار العربيّة، وعلى كلّ مَن ينطق بالضاد ألّا يفرّط أو يتهاون في قراءته وحفظه وتجويده وتدبّر معانيه. ولعلّ هذا من حظّ العربيّة الذي لم يتوفّر لغيرها من اللّغات الأخرى.
عبد الحميد النوري عبد الواحد
عضو مجمع اللغة العربيّة
